فصل
الأمر بالهجرة
قال الله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا} [الإسراء:80] .
قال أبو جعفر الطبري رحمه الله بعدما ساق الأقوال في معنى الآية:(وأشبه هذه الأقوال بالصواب في تأويل ذلك قول من قال: معنى ذلك: وأدخلني المدينة مُدْخل صدق، وأخرجني من مكة مُخْرج صدق. وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية لأن ذلك عقيب قوله:
{وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلا قَلِيلًا} ،
وقد دللنا فيما مضى، على أنه عَنَى بذلك أهل مكة؛ فإذ كان ذلك عقيب خبر الله عما كان المشركون أرادوا من استفزازهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليخرجوه عن مكة، كان بيَّنًا إذ كان الله قد أخرجه منها أن قوله: {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ} أمر منه له بالرغبة إليه في أن يخرجه من البلدة التي همّ المشركون بإخراجه منها مُخْرج صدق، وأن يدخله البلدة التي نقله الله إليها مُدْخل صدق) ، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهذا القول هو أشهر الأقوال، كما في تفسير ابن كثير (3/ 59) .
فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِمَكَّةَ ثُمَّ أُمِرَ بِالْهِجْرَةِ وَأُنْزِلَ عَلَيْهِ: {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا} ) [1] .
ـــــــــ
(1) - رواه أحمد: 1/ 223، والترمذي: 4/ 137، والحاكم: 3/ 3، ومن طريقه البيهقي في الكبرى: 9/ 9، وقَالَ أَبُو عِيسَى الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وفي سنده قابوس بن أبي ظبيان وفيه لين كما في التقريب.