-وفيه استحباب الفطر في الغزو، وأنه من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، وقد بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علّة الفطر في الجهاد كما في صحيح مسلم (1120) ، فقال:"إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ فَأَفْطِرُوا"، فَكَانَتْ رُخْصَةً؛ فَمِنَّا مَنْ صَامَ وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فَقَالَ رَسُول اللَّه: ("إِنَّكُمْ مُصَبِّحُو عَدُوِّكُمْ فَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ فَأَفْطَرُوا"، فَكَانَتْ عَزِيمَةً فَأَفْطَرْنَا) .
وسوف أؤخر الكلام بالتفصيل على هذه المسألة لغزوة الفتح موضوع أحاديث الباب، ولكن يجدر بنا هنا ذكر ما أجمله الحافظ في الفتح (4/ 229 - 230) في مسألة الصيام في السفر، فقال رحمه الله: (وَذَهَبَ أَكْثَر الْعُلَمَاء وَمِنْهُمْ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة إِلَى أَنَّ الصَّوْم أَفْضَل لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ كَثِير مِنْهُمْ الْفِطْر أَفْضَل عَمَلًا بِالرُّخْصَةِ وَهُوَ قَوْل الْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق، وَقَالَ آخَرُونَ هُوَ مُخَيَّر مُطْلَقًا، وَقَالَ آخَرُونَ أَفْضَلهمَا أَيْسَرهمَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ} فَإِنْ كَانَ الْفِطْر أَيْسَرَ عَلَيْهِ فَهُوَ أَفْضَل فِي حَقِّهِ، وَإِنْ كَانَ الصِّيَام أَيْسَرَ كَمَنْ يَسْهُلُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ وَيَشُقُّ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ بَعْد ذَلِكَ فَالصَّوْم فِي حَقّه أَفْضَل، وَهُوَ قَوْل عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز وَاخْتَارَهُ اِبْن الْمُنْذِر، وَاَلَّذِي يَتَرَجَّح قَوْل الْجُمْهُور، وَلَكِنْ قَدْ يَكُون الْفِطْر أَفْضَلَ لِمَنْ اِشْتَدَّ عَلَيْهِ الصَّوْم وَتَضَرَّرَ بِهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ ظُنَّ بِهِ الْإِعْرَاض عَنْ قَبُول الرُّخْصَة ... ) ،