وصحّ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قتله لوعد توعّده إياه - صلى الله عليه وسلم - وهو بمكة أن يقتله صبرًا؛ فقد روى ابن مردويه وأبو نعيم في (الدلائل) بسند صحيح كما قال السيوطي في الدر المنثور (6/ 250) ، من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن أبا معيط كان يجلس مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة لا يؤذيه، وكان رجلًا حليمًا، وكان بقية قريش إذا جلسوا معه آذوه، وكان لأبي معيط خليل غائب عنه بالشام، فقالت قريش: صبأ أبو معيط، وقدم خليله من الشام ليلًا فقال لامرأته: ما فعل محمد مما كان عليه؟ فقالت: أشدّ مما كان أمرًا، فقال: ما فعل خليلي أبو معيط؟ فقالت: صبأ، فبات بليلة سوء، فلما أصبح أتاه أبو معيط فحيّاه فلم يردّ عليه التحية، فقال: مالك لا تردّ عليّ تحيتي؟ فقال: كيف أردّ عليك تحيتك وقد صبوت؟ قال: أوقد فعلتها قريش؟ قال: نعم، قال: فما يبرئ صدورهم إن أنا فعلت؟ قال: تأتيه في مجلسه وتبزق في وجهه وتشتمه بأخبث ما تعلمه من الشتم، ففعل فلم يزد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن مسح وجهه من البُزاق ثم التفت إليه فقال:"إن وجدتك خارجًا من جبال مكة أضرب عنقك صبرًا".
فلما كان يوم بدر وخرج أصحابه أبى أن يخرج، فقال له أصحابه: اخرج معنا، قال: قد وعدني هذا الرجل إن وجدني خارجًا من جبال مكة أن يُضرب عنقي صبرًا، فقالوا: لك جمل أحمر لا يدرك فلو كانت الهزيمة طرت عليه، فخرج معهم فلما هزم الله المشركين وحل به جمله في جدد من الأرض، فأخذه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسيرًا في سبعين من قريش، وقُدّم إليه أبو معيط فقال: تقتلني من بين هؤلاء؟ قال:"نعم بما بزقت في وجهي"، فأنزل الله في أبي معيط:
{وَيَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ ... } إلى قوله: {وَكانَ الشَّيْطانُ لِلإِنْسانِ خَذُولًا}
[الفرقان:27 - 29] ، كما قُتل النضر بن الحارث الذي أنزل الله فيه قوله تعالى: