بالإنصاف أو المكابرة؟ فقال: بالإنصاف، فقال: ناشدتك الله صاحبنا أعلم بكتاب الله أم صاحبكم؟ فقال: محمد: اللهم صاحبكم، قال الشافعي: صاحبنا أعلم بسنة رسول الله أم صاحبكم؟ فقال: بل صاحبكم، فقال الشافعي: صاحبنا أعلم بأقوال أصحاب رسول الله أم صاحبكم؟ فقال: بل صاحبكم، فقال الشافعي: فلم يبق إلاّ القياس، فقال: محمد صاحبنا أقيس، فقال الشافعي: القياس لا يكون إلاّ بهذه الأشياء، فعلى أي شيء يقيس» [1] ، فمن خلال هذه المناظرة نستنتج ترتيب مالك للأصول عند استنباطه للأحكام، إذ يقدم الكتاب ثم السنة ثم الإجماع ثم القياس [2] .وهناك أصول أخرى اعتمدها مالك في اجتهاده كإجماع أهل المدينة، وقول الصحابي، والمصلحة المرسلة، والعرف، والعادات، وسد الذرائع، والاستصحاب، والاستحسان، ومراعاة الخلاف، وكثرة أصول مذهب مالك وتوسّعها جعلته أكثر مرونة، و أقرب إلى واقع الناس ومصالحهم مهما اختلفت أعرافهم وعاداتهم، فالمصالح المرسلة التي تعد من أصول المذهب، وبها اصطبغ أكثر فقه الرأي عند مالك، كانت مجالا خصبا للاستنباط الفقهي، فيكون الإفتاء بما فيه مصلحة راجحة بحيث لا تتعارض مع النص، وكذلك سد الذرائع ومراعاة الخلاف، واعتبار الأعراف، فيها توسعة، ورفع للمشقة، ورعيٌ لمصالح الناس مما جعل المذهب المالكي مرنا واسعا صالحًا لمعالجة كل المستجدات على اختلاف الزمان والمكان.
فمميزات الإمام مالك التي ترجع إلى شدة تحريه في الاجتهاد و تثبّته في الإفتاء، وكذا كثرة أصول مذهبه التي جعلته أكثر مرونة بالإضافة إلى تواضعه، والزهد فيما بأيدي الناس، زاد من تمسك تلامذته به، واتّخاذه قدوة، فكانوا لا يخرجون عن حكمه، و لا يفتون ومالك في المدينة، مما جعل أهل الأندلس يجُمعون في رحلتهم إلى الإمام مالك لأخذ العلم والاقتداء بهديه، فتأثّروا به أيّما تأثر، يقول ابن عبد البر عن يحيى بن يحيى في تأثره بالإمام مالك إنه كان:""
(1) - المدارك، 1/ 131؛ مجموع الفتاوى، 20/ 329.
(2) - قام القاضي عياض بشرح أصول مذهب مالك، ورتّبها في كلام مفيد. انظر: المدارك، 1/ 94.