العقلي- وفي مقدمته التجديد في التفكير الأصولي، ولعل أبرز إسهاماته في هذا المجال محاولته تخليص هذا العلم من ظاهرة الاستغراق في الجزئيات، وتوجيهه نحو الاهتمام بالكليات الجامعة القادرة وحدها على تلبية مستجدات الحياة مهما تطورت وتشعبت، فعموم الكليات وثباتها وشمولها هو الذي يستجيب لأبرز خصائص الشريعة الإسلامية، وهي: الشمول والعموم والدوام؛ فالنهوض بالشريعة وجعلها مواكبة لمشكلات العصر وقضاياه، إنما يتحقق بالاهتمام بكلياتها وأصولها وقيمها الإنسانية الخالدة؛ فتتبع الجزئيات والفروع نفعه نسبي وفائدته مؤقتة نظرا لما تتصف به من خاصية التجدد والاستمرار طالما بقي الناس على وجه هذه البسيطة ينشطون ويطوّرون، ويتبادلون الخدمات، زد على ذلك أن هذه الجزئيات تبلغ من الكثرة والتنوع بتعدّد البيئات واختلافها، بحيث يصعب أن تستقصى بشكل تام، أو على الأقل بشكل أغلبي؛ لذلك وجه الشاطبي اهتمامه إلى الأصول والكليات؛ لأنها بمثابة معيار يمكن أن يستوعب كافة التطورات التي يشملها معناه، مهما تعددت واختلفت.
فالشاطبي عزف عن التكرار؛ إذ أنه «لم يذكر في كتابه مبحثا واحدا من المباحث المدونة في كتب الأصول إلا إشارة في بعض الأحيان لينتقل منها إلى تأصيل قاعدة أو تفريع أصل، وهو - مع ذلك -لم يغض من فضل المباحث الأصولية، بل تراه يقول في كثير من مباحثه: إذا أضيف هذا إلى ما تقرر في الأصول أمكن الوصول إلى المقصود» [1] .
لذلك أخذ على الأصوليين إدراجهم كثيرًا من المسائل التي لا علاقة لها بتشريع الأحكام في علم الأصول، كمسألة ابتداء الوضع، وغيرها من المسائل حيث يقول: «كل مسألة مرسومة في أصول الفقه لا ينبني عليها فروع فقهية أو آداب شرعية، أو لا تكون عونا في ذلك، فوضعها في أصول الفقه عارية» [2] ؛ لأن هذا الفن - حسب رأيه - لم يضف إلى علم الفقه إلا لكونه مفيدا له ومحققا للاجتهاد فيه، وإذا لم يفد ذلك فليس بأصل له.
(1) - عبد الله دراز، مقدمة الموافقات، 1/ 8.
(2) - الشاطبي، الموافقات، 1/ 29.