وكما جدد الشاطبي في مباحث أصول الفقه، جدد في مقاصد الشريعة فوسّع البحث فيها توسّعا كبيرا،- بل أصّل لنظرية المقاصد ورسم منهجها القويم- وأكمل - بذلك - المسيرة التي كانت في البداية عبارة عن تعليلات وإشارات مقاصدية ألمح إليها الجويني، والغزالي والقرافي وغيرهم، يقول الطاهر ابن عاشور في هذا الشأن: «ولحق بأولئك أفذاذ أحسب أن نفوسهم جاشت بمحالة هذا الصنيع، مثل عز الدين بن عبد السلام المصري الشافعي، في قواعده، وشهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي المصري المالكي في كتابه الفروق، فلقد حاول غير ما مرة تأسيس المقاصد الشرعية، والرجل الفذ الذي أفرد هذا الفن بالتدوين هو الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي المالكي .. » [1] .
فالشاطبي هو أول من درس علم المقاصد بتوسّع وتعمّق حيث خصص له مجلدا بأكمله، إذ قسم قصد الشارع إلى أربعة أنواع ثم أخذ يفصّل كل نوع منها، ثم أضاف بالبحث مقاصد المكلف في التكليف ضمّنها في اثنتين وستين مسألة، وتسعة وأربعين فصلا، وبيّن فيها أن الشريعة مبنية على مراعاة مصالح العباد في الدنيا والآخرة، وروعي في كل حكم منها إما حفظ شيء من الضروريات الخمسة (الدين والنفس والعقل والنسل والمال) ، التي هي أسس العمران، وقد راعتها كل الشرائع السماوية، وإما حفظ شيء من الحاجيات كأنواع المعاملات، التي لولا ورودها على الضروريات لوقع الناس في الضيق والحرج، وإما حفظ شيء من التحسينيات التي ترجع إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن العادات، وإما تكميل نوع من الأنواع الثلاثة بما يعين على تحققه.
كما بيّن أن الشريعة نظام عام لجميع البشر؛ لأنها راعت الأعراف والعوائد المستمرة، كما راعت الضرورة والحاجة، وقد طبق منهجه هذا على فتاويه [2] ، التي راعى فيها مصالح الناس وحاجاتهم.
فكاتبه الموافقات - وغيره من مؤلفاته - يعد مدرسة فكرية وتربوية تدل على بعد نظره، وعمق فهمه لفلسفة التشريع الإسلامي. يقول عمر الجيدي إنّ: «
(1) - مقاصد الشريعة الإسلامية، ص 8.
(2) - انظر: فتاوى الشاطبي، ص 144، وما بعدها.