فيبغض الدين وينقطع عن العبادة، أما إذا ذُهب به مذهب الانحلال، كان ذلك مظنة اتباع الهوى، وإنما الشرع جاء للنهي عنه.
ونبّه المفتي - إذا كان ممن يكلف نفسه فوق الوسط - بأن يخفي ذلك؛ حتى لا يقتدي به من لا طاقة له بذلك العمل فينقطع عنه نهائيا، وإذا ظهر للناس عمله نبّه عليه كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل فقد فاق الناس عبادة وخلقا [1] ، ولكنه كان ينهى عن الوصال وعن أمور أخرى كانت خاصة به، يقول الله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} . [2]
ثبت أن التوسط هو الموافق لقصد الشارع، وهو نهج السلف الصالح، فعلى المقلد أن يختار المذهب الذي يكون على هذا الطريق، وإن كانت كل المذاهب طرقا إلى الله، فإن الشاطبي يؤكد على ضرورة ترجيح أحدها؛ لأنه أبعد عن اتباع الهوى، وأقرب إلى مراعاة قصد الشارع خاصة في مسائل الاجتهاد [3] .
وحذّر من تتبع رخص المذاهب واعتبر ذلك من المفاسد [4] ؛ لأنه ميل مع أهواء النفوس يؤدي إلى الانسلاخ من الدين بترك اتباع الدليل إلى اتباع الخلاف، والشرع جاء بالنهي عن اتباع الهوى [5] .
ثم انتقل الشاطبي إلى الحديث على المقلد فقال: «إن المقلد إذا عرضت له مسألة دينية فلا يسعه في الدين إلاّ السؤال عنها على الجملة، لأن الله لم يتعبد الخلق بالجهل» [6] ، فالسائل إذا سأل عليه أن يختار من هو أهل لذلك المعنى الذي يسأل عنه، وإذا تعددت أقوال العلماء وفتاويهم في المسألة التي نزلت به فلا يتبع هواه بل عليه أن يرجّح، لكن دون أن يطعن في المذاهب الأخرى المرجوحة عنده؛ لأن الطعن في الترجيح يؤدي إلى العناد من أهل المذهب المطعون فيه، فيزيد في دواعي
(1) - المصدر نفسه، 4/ 190.
(2) - الحجرات: 7.
(3) - الموافقات، 4/ 191.
(4) - المصدر نفسه، 4/ 106.
(5) - الموافقات، 4/ 105.
(6) - المصدر نفسه، 4/ 192.