فهرس الكتاب

الصفحة 204 من 364

التمادي والإصرار على ما هم عليه، فيؤدي إلى التعصب، فلا يكون لهذا الترجيح فائدة، بل ينتج عنه التقاطع والتدابر بين أتباع المذاهب، فيؤدي إلى التفرق، وهذا منهيّ عنه شرعا.

وقد صاغ الشاطبي هذه القضية في عبارات محكمة دقيقة تعتبر قاعدة مهمة في بابها فقال: «فالترجيح بما يؤدي إلى افتراق الكلمة وحدوث العداوة والبغضاء ممنوع» [1] .

وبعدها عاد ليفصل القول في أقسام المفتين من حيث توفر شروط الانتصاب للفتوى فجعله على قسمين [2] :

أحدهما: «من كانت أقواله وأفعاله وأحواله على مقتضى فتواه، فهو متصف بأوصاف العلم ... حتى إذا أحببت الاقتداء به من غير سؤال أغناك عن السؤال في كثير من الأعمال، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤخذ من قوله وفعله وإقراره» . [3]

ومن كان هذا حاله تكون فتواه أوقع في القلوب ممن ليس كذلك، فمطابقة الفعل للقول شاهد على صدق قوله ومن طابق فعله قوله صدقته القلوب.

أما الثاني: وهو من لم يبلغ المقام السابق - وإن كان فضله ودينه معلوما - لا يبلغ كلامه من القلوب كما بلغ في المرتبة السابقة، وضرب الشاطبي مثالا على ذلك فقال: «فمن زهّد الناس في الفضول التي لا تقدح في العدالة وهو زاهد فيها وتارك لطلبها فتزهيده أنفع من تزهيد من زهد فيها وليس بتارك لها، فإن ذلك مخالفة وإن كانت جائزة، وفي مخالفة القول الفعل هنا ما يمنع من بلوغ مرتبة من طابق قوله فعله» [4] .

وهنا إذا اختلفت مراتب المفتين في هذه المطابقة، فالمقلد يتّبع من غلبت مطابقة قوله لفعله.

(1) - المصدر نفسه، 4/ 194.

(2) - المصدر نفسه، 4/ 199.

(3) - المصدر نفسه، 4/ 199.

(4) - الموافقات، 4/ 200.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت