فهرس الكتاب

الصفحة 205 من 364

وإذا وجد مجتهدان أحدهما مثابر على أن لا يرتكب منهيا عنه لكنه في الأوامر ليس كذلك، والآخر مثابر على أن يخالف مأمورا به لكنه في النواهي على غير ذلك، فالشاطبي يرجح الأول على الثاني في الاتباع؛ لأن اجتناب النواهي آكد وأبلغ في القصد الشرعي من أوجه:

أولا: درء المفاسد أولى من جلب المصالح، وهذا أمر بدهي.

ثانيا: إن للإنسان قدرة للكف عن المناهي في الجملة من غير مشقة، أما الأوامر فلا قدرة للبشر على فعل جميعها، وإنما تتوارد على المكلف على البدل بحسب ما اقتضاه الترجيح.

ثالثا: النقل، [1] كقوله صلى الله عليه وسلم، (فإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) [2] .

وأضاف الشاطبي أوصافا أخرى ينبغي للمفتي أن يتصف بها حتى يتبعه العامي في فتواه ويقلده فيها، فذكر صفات الإمام مالك وكيف كان يتورع في الإفتاء، فكثيرا ما أثرت عنه عبارة «لا أدري» وكان لا يستعجل في الفتوى بل يتوقف فلا يجيب إلا بعد أن يفكر فيها طويلا [3] ؛ لإدراكه حجم مسؤولية تبليغ أحكام الله تعالى.

وكان يكره الفقه الافتراضي، ولا يجيب على كل ما يسأل عنه، بل كان يقول: «سل عما يكون ودع ما لا يكون» ، «ولو سألت عما تنتفع به أجبتك» [4] ، فكان لا يجيب إلا فيما ينفع في الدين والدنيا. وقد ذكر الشاطبي أوصاف الإمام مالك حتى يتخذ قدوة ومثالا يحتذى به.

والشاطبي يرى أنه إذا لم يجد المستفتي جوابا لدى المفتي يسقط التكليف عنه [5] ، خاصة إذا لم يكن له به علم، واعتبر فتاوى المجتهدين بالنسبة إلى العوام كالأدلة الشرعية بالنسبة للمجتهدين؛ لأن المقلد ليس عالما؛ لذلك وجب عليه سؤال

(1) - المصدر نفسه،4/ 200.

(2) - سبق تخريجه في الفصل الأول.

(3) - المصدر السابق، 4/ 210 وما بعدها.

(4) - المصدر نفسه، 4/ 213؛ وانظر: ترتيب المدارك، 1/ 144.

(5) - الموافقات، 4/ 214.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت