أهل الذكر عن أحكام الدين على الإطلاق، وعليه إذا لم يجد دليلا [1] على العمل سقط التكليف به، كما أنه إذا لم يجد مفتيا في العمل فهو غير مكلف به [2] .
وكان الشاطبي يكره الخوض في المتشابهات ويُعرض عن المشكلات. يقول [3] - في هذا الشأن: «من تعسّف وطلب المحتملات والغلبة بالمشكلات، وأعرض عن الواضحات فيخاف عليه التشبه بمن ذمه الله في قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} [4] ، وقال عن المتشابهات: «إنزال المتشابهات؛ فإنها مجال للاختلاف، لتباين الأنظار واختلاف الآراء والمدارك. هذا وإن كان التوقف فيها هو المحمود» [5] .
ولعل الشاطبي انتبه إلى أمر لم يسبق إليه في شروط المستفتي وصفاته فقال: «إنما تحصل درجه الاجتهاد لمن اتصف بوصفين؛ أحدهما: فهم مقاصد الشريعة على كمالها ... فإذا بلغ الإنسان مبلغا فهم عن الشارع فيه قصده في كل مسألة من مسائل الشريعة، وفي كل باب من أبوابها، فقد حصل له وصف هو السبب في تنزله منزلة الخليفة للنبي صلى الله عليه وسلم في التعليم والفتيا والحكم بما أراه الله» [6] ، فبالإضافة إلى الشروط التي ذكرها العلماء لتحقق درجة الاجتهاد زاد الإمام الشاطبي شرط فهم مقاصد الشريعة؛ وتوسع في شرحه وبيّن أهميته أكثر مما سبق؛ ذلك لأن الشرع مبني على اعتبار المصالح، ودرء المفاسد وهذا هو قصد الشارع من تكليف العباد.
وذكر الشاطبي في عدة مواضع أهمية فقه الواقع بالنسبة للمفتي فقال: «وهذه المواضع وأشباهها - مما يقتضي تعيين المناط - لابد فيها من أخذ الدليل على وفق الواقع بالنسبة إلى كل نازلة ... وعند ذلك نقول: لا يصح للعالم إذا سئل عن أمر كيف يحصل في الواقع إلا أن يجيب بحسب الواقع، فإن أجاب على غير ذلك
(1) - المراد هنا فتوى المجتهد وقوله.
(2) - المصدر السابق، 4/ 216.
(3) - نيل الابتهاج، ص 50.
(4) - آل عمران:7.
(5) - الموافقات، 4/ 89.
(6) - المصدر نفسه، 4/ 76، 77.