فهرس الكتاب

الصفحة 207 من 364

أخطأ في عدم اعتبار المناط المسؤول عن حكمه؛ لأنه سئل عن مناط معين، فأجاب عن مناط غير معيّن». [1]

والواقع الذي قصده الشاطبي في هذا النص هو مراعاة أحوال الناس، وما يحيط بهم من ظروف نفسية واجتماعية عبر اختلاف الأزمنة والأمكنة، ويؤكد على هذا في موضع آخر فيقول: «وعلى الجملة فتحقيق المناط الخاص نظر في كل مكلف بالنسبة إلى ما وقع عليه من الدلائل التكليفية، بحيث يتعرف منه مداخل الشيطان، ومداخل الهوى والحظوظ العاجلة، حتى يلقيها هذا المجتهد على ذلك المكلّف مقيدة بقيود التحرز من تلك المداخل؛ هذا بالنسبة للتكليف المنحتم وغيره، ويختص غير المنحتم بوجه آخر، وهو النظر فيما يصلح بكل مكلف في نفسه بحسب وقت دون وقت، وحال دون حال وشخص دون شخص، إذ النفوس ليست في قبول الأعمال الخاصة على وزن واحد ... فربّ عمل صالح يدخل بسببه على رجل ضرر أو فترة، ولا يكون كذلك بالنسبة لآخر ... » . [2]

وقد نقلت هذه النصوص على طولها لأهميتها، ففيها دعوة إلى ضرورة مراعاة أحوال المكلفين وظروفهم النفسية والاجتماعية وطاقاتهم وقدراتهم فما يطيقه البعض قد لا يحتمله البعض الآخر.

فالأحوال الخاصة بالناس تختلف من شخص إلى آخر، ولعل الملابسات التي تحيط بظروف كل فرد تؤثر في المعايير التي تدخل في تركيبته الذاتية، و النفسية وأوضاعه الاجتماعية و الاقتصادية.

فالمفتي عليه أن يفهم النص في إطار التطور الزماني والمكاني وفي إطار المصلحة الاجتماعية، ليكون الفقه - بذلك - ملبيا للحاجات المتجددة ومصدرا غنيًا له القدرة على معايشة الواقع الاجتماعي بكل تطوراته وتعقيداته.

إذن فتطبيق الحكم على الواقع يستلزم النظر فيما يؤول إليه حال المستفتي قبل الإجابة عن سؤاله؛ لذلك وجب اعتبار تحقيق المناط الخاص في الجزئيات والنظر في مآل الفعل، ومدى مطابقته لمقاصد الشارع.

(1) - الموافقات، 3/ 49.

(2) - المصدر نفسه، 4/ 51.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت