فهرس الكتاب

الصفحة 224 من 364

العامة وتنُتهك حرمة الفتوى، والدليل على ذلك أن كثيرا من الفقهاء تضجّروا وتحسّروا على ما آلت إليه الفتوى في الأندلس، ومن هؤلاء: الإمام الباجي حيث «حكى عن أحد أهل زمانه، أخبره أنه وقعت له واقعة فأفتاه جماعة من المفتين بما يضرّه وكان غائبا، فلما حضروا قالوا: لم نعلم أنها لك، وأفتوه بالرواية الأخرى، قال: وهذا مما لا خلاف بين المسلمين المعتدّ بهم في الإجماع أنه لا يجوز» [1] .

وقد نقل الشاطبي حكاية أخرى عن الباجي في الموضوع نفسه [2] ، وذكر سخطه على هؤلاء الذين يتلاعبون بمصالح الناس، واتخذوا دين الله هزؤا.

وأنبّه - هنا - إلى أن الشاطبي قدّم المشهور على الضعيف والشاذ في الأحوال العادية، وقرر ذلك أصلًا أو قاعدة عامة؛ إلاّ أنه في حالة الضرورة ومراعاةً لمصلحة المستفتي التي لم يتعلّق بها غرض شخصي، أو اتباع للهوى، لم يجد بُدّا من مخالفة التقيّد بالمشهور، و إعمال ما جرى به العمل من الأقوال [3] الضّعيفة والشاذة.

وهذا ليس تناقضا، فهو قرر التزام المشهور خشية أن يتذرّع أهل الفساد والأهواء للفتوى بالشاذ و الضعيف فيتلاعبون بأحكام الشريعة لذا سدَّ عليهم الباب من هذا الوجه، أما إذا وجد سبب واقتضت الضرورة يمكن من أجلها العدول عن المشهور إلى الشاذ.

ولم يكن الشاطبي بدعا في هذه المسألة و إنما سبقه - شيوخ المدرسة الأندلسية - إلى ذلك كأبي الوليد بن رشد، و الباجي، و القاضي أبي بكر بن العربي ... ونظرائهم، فقد كانت لهم اختيارات و تصحيح لبعض الروايات

(1) - عمر الجيدي، محاضرات في تاريخ المذهب المالكي، ص 100.

(2) - المصدر السابق، 4/ 100، 101.

(3) - هناك فتاوى كثيرة راعى فيها الشاطبي ما جرى به العمل في الأندلس فخرج عن مشهور المذهب لمصلحة الناس، منها فتوى رقم 29.انظر: الفتاوى، ص 153،154.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت