والعبارة الخشنة التي أشار إليها الشاطبي في نصّ الفتوى كان ينقلها - رحمه الله - عن أستاذه أبي العباس أحمد القبّاب [1] ، حيث كان يقول في ابن بشير و ابن الحاجب، وابن شاس: أنهم أفسدوا الفقه.
فالشاطبي يرى أن هؤلاء المتأخرين أفسدوا الفقه لما أدخلوا عليه المختصرات، وتساهلوا في النقل من أي كتاب وجدوه، وهو في موقفه هذا ليس متحاملا عليهم؛ وإنما بنى رأيه على أساس الخبرة عندما اطّلع على كتب المتأخرين والمتقدمين وأطال النظر فيهما فأدرك الفرق بينهما؛ لذلك نجده يذكر أسباب عدم اعتماده على كتب المتأخرين فيقول: «وشأني أن لا أعتمد على هذه التقييدات المتأخرة البتة، تارة للجهل بمؤلفها، وتارة لتأخّر زمان أهلها جدا، أو للأمرين معا؛ فلذلك لا أعرف كثيرا منها ولا أقتنيه، وإنما المعتمد عندي كتب الأقدمين المشاهير» [2] .
ويذكر في الموافقات أن من أنفع طرق العلم الموصّلة إلى غاية التحقيق، أخذه عن أهله المتحققين به على الكمال والتمام و يكون ذلك عن طريق المشافهة، ومطالعة كتب المصنفين ولكن شرط تحري كتب المتقدمين من أهل العلم المراد دراسته، فإنهم أقعد به من غيرهم من المتأخرين [3] ، واستدلّ على ذلك بالتجربة والخبر، فقال: «أما التجربة فهو أمر مشاهد في أي علم كان؛ فالمتأخر لا يبلغ من الرسوخ في علم ما ما بلغه المتقدّم، وحسبك من ذلك أهل كل علم عملي أو نظري وأما الخبر ففي الحديث: (خير القرون قرني ثم الذي يلونهم ثم الذي يلونهم) ... » ، واستدلّ بأحاديث أخرى ثم ختم كلامه قائلا: «فلذلك صارت كتب المتقدّمين، وكلامهم وسيرهم، أنفع لمن أراد الأخذ بالاحتياط ... وخصوصا علم الشريعة الذي هو العروة الوثقى، والوزر الأحمى، وبالله تعالى التوفيق» [4] .
(1) - انظر: المعيار 11/ 142.
(2) - الفتاوى، ص 121، 122؛ و انظر: عبد المتعال الصعيدي، المجددون في الإسلام، ص 307.
(3) - انظر: الموافقات، 1/ 64 وما بعدها.
(4) - الموافقات، 1/ 68، 69.