فهرس الكتاب

الصفحة 228 من 364

وإلى مثل هذا الرأي اتجه المقري حيث قال: «ولقد استباح الناس النقل من المختصرات الغريبة أربابها، ونسبوا ظواهرها فيها إلى أمهاتها ... ثم تركوا الرواية فكثر التصحيف وانقطعت سلسلة الاتصال، فصارت الفتاوى تنفذ من كتب لا يدري ما زيد فيها مما نقص منها لعدم تصحيحها وقلة الكشف عنها ... » [1] ، فالمقري أنكر على الناس الذين يعتمدون في فتاويهم على المختصرات الغريبة؛ لأنه مع مرور الوقت تناقصت العناية بكتب الأقدمين الموثوق بها و اتجّه المفتون إلى الكتب المتأخرة التي كثر فيها التصحيف.

لذلك أكد القرافي على حرمة الفتوى من الكتب التي لم تشتهر بعزو ما فيها إلى الكتب المشهورة، و تُحرم أيضا - عنده - من حواشي الكتب لعدم صحتها والوثوق بها [2] ، وأراد بذلك الحواشي غريبة النقل، المجهول حالها، «أما التقاييد المنقولة من الشرّاح والنصوص فيجوز الإفتاء منها قطعا ... » [3] .

فالإمام الشاطبي كان يمحص ويختار كتب المتقدمين المعلوم حالها، المأمونة من النقول الغريبة، ولا يأخذ إلاّ عن كبار العلماء المشهورين الراسخين في الفقه. وهذا يدل على تحريه و دقته في النقل، وتثبّته من صحة الروايات، فكان لا يدرّس لتلامذته مؤلَّفا من المؤلفات إلا بعد أن يعرف سنده إلى مؤلِّفه، وهذا الذي أقره تلميذه المجاري؛ إذ يذكر أنه لما درس عليه كتاب"مختصر ابن الحاجب"عرفه بسنده كله فقال: «ومختصر الإمام أبي عمرو بن الحاجب في أصول الفقه سمعت عليه بعضه تفقّها، وحدّثني به عن الشيخ النظّار أبي علي منصور بن عبد الرزاق الزواوي، و حدثني بجميعه عن الإمام أبي عبد الله المسفّر البجائي، قراءة عليه بجميعه عن أبي ناصر الدين المِشذالي، قراءة لجميعه عن زين الدين الزواوي قراءة عليه، عن أبي عمرو بن الحاجب مصنفه قراءة عليه» [4] .

انظر كيف كان الشاطبي حريصا على حفظ سنَد هذا الكتاب،- وقس عليه بقية الكتب - وكيف كان يختار من الأمهات والمصادر ما يتفق مع طريقة تفكيره، فهل

(1) - المعيار، 2/ 479.

(2) - الإحكام في تمييز الفتاوى من الإحكام، ص 77.

(3) - حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، 1/ 20.

(4) - برنامج المجاري، ص 116 و ما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت