فهرس الكتاب

الصفحة 256 من 364

والمتتبّع لفتاوى الشاطبي يجده حريصا على مراعاة أحوال المستفتي بالعمل على جلب مصلحته وتحقيقها، ودفع الضرر والمفسدة عنه وسد أبوابها، وإن لم يكن في النازلة نص خاص معين فحسبه النظر في النصوص و القواعد العامة التي تحثّ على تحقيق مصالح العباد و دفع الضرر عنهم.

مع أنه قد نبّه في مواضع عدة على ضرورة اتباع مسلك اجتهادي يجمع بين الكليات العامة للشريعة وجزئياتها، لجلب المصالح و درء المفاسد، فيكون اجتهاد المجتهد بعيدا عن الخطأ والزلل و في هذا يقول: «لمّا انبنت الشريعة على قصد المحافظة على المراتب الثلاث من الضروريات و الحاجيات و التحسينيات، وكانت هذه الوجوه مبثوثة في أبواب الشريعة و أدلتها غير مختصة بمحل دون محل ... كان النظر الشرعي فيها أيضا عاما لا يختص بجزئية دون أخرى؛ لأنها كليات تقضي على كل جزئي تحتها ... إذا ليس فوق هذه الكليات كليّ تنتهي إليه، بل هي أصول الشريعة، و قد تمّت ... فهي الكافية في مصالح الخلق عموما وخصوصا» . ويضيف قائلا: «و إذا كان كذلك وكانت الجزئيات وهي أصول الشريعة فما تحتها مستمدة من تلك الأصول الكلية، شأن الجزئيات مع كلياتها في كل نوع من أنواع الموجودات فمن الواجب اعتبار تلك الجزئيات بهذه الكلّيات عند إجراء الأدلة الخاصة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، إذ محال أن تكون الجزئيات مستغنية عن كلياتها فمن أخذ بنص مثلا في جزئي مُعرضا عن كليّه فقد أخطأ» [1] .

كما اعتبر - الشاطبي - أن من أخذ بجزئي و أعرض عن كليّه مخطئ أيضا، فكذلك من أخذ بالكلي معرضا عن جزئيّه فقد أخطأ أيضا؛ لذلك أكد على ضرورة الاهتمام بالاثنين ليكون اجتهاد المفتي صحيحا لا يعارض المقاصد العامة للشريعة فقال: «فالحاصل أنه لا بد من اعتبار خصوص الجزئيات مع اعتبار كلياتها، وبالعكس، وهو منتهى نظر المجتهدين بإطلاق و إليه ينتهي طلَقُهم في

(1) - المصدرنفسه، 3/ 3 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت