ذلك المصلحة المرسلة في حين أفتى بقية الفقهاء بالمنع، وفي مقدمتهم أبو سعيد بن لب [1] .
والحقيقة أن ما أفتى به الشاطبي هو الصواب و عين المصلحة؛ لأن غرناطة كانت في جهاد متواصل ضد النصارى الذين ظلوا يتربصون بها. فهي تعيش - دائما - حالة الطوارئ؛ وقد قام ملوك غرناطة باستفتاء الفقهاء في جواز فرض ضرائب زائدة على الناس لزيادة التعبئة القتالية، ولتجديد بناء أسوار الحصون، وهذا الأمر في الأصل راجع إلى بيت المال؛ إلاّ أن هذا الأخير كان عاجزا عن أرزاق الجند وما يحتاج إليه من آلات الحرب؛ فأفتى الشاطبي بجواز فرض الضرائب لمصلحة الوطن، و لسد ثلم المسلمين فقال: «إنا إذا قرّرنا إماما مطاعا، مفتقِرا إلى تكثير الجنود لسد الثغور، وحماية الملك المتّسع الأقطار، وخلا بيت المال، وارتفعت حاجات الجند إلى ما لا يكفيهم، فالإمام إذا كان عدلا أن يوظّف على الأغنياء ما يراه كافيا لهم في الحال، إلى أن يظهر مال بيت المال، ثم إليه النظر في توظيف ذلك على الغلاّت والثمار، و غير ذلك كيلا يؤدي تخصيص الناس به إلى إيحاش القلوب، وذلك يقع قليلا من كثير بحيث لا يجحف بأحد ويحصل المقصود» [2] .
ولعمري ما أحوجنا اليوم إلى مثل هذا النظر المصلحي القيّم، والعمق الفكري الذي يحرص على مراعاة مصالح الأمة، وللوصول إلى هذا المستوى من التفكير البنّاء ينبغي التمكن من علوم العربية، - إن كان الاستنباط من النصوص؛ لأنّ القرآن نزل بلسان عربي مبين، وما لا يتم الواجب إلاّ به فهو واجب- ومعرفة المصالح والمفاسد لإدراك مقاصد الشرع. وفي هذا يقول الشاطبي: «الاجتهاد إن تعلّق بالاستنباط من النصوص، فلا بد من اشتراط العلم بالعربية، و إن تعلّق بالمعاني من المصالح والمفاسد مجردة عن اقتضاء النصوص له، أو مسلّمة من صاحب الاجتهاد في النصوص، فلا يلزم في ذلك العلم بالعربية، وإنما يلزم العلم بمقاصد الشرع من الشريعة جملة وتفصيلا خاصة» [3] .
(1) - انظر: الفتاوى، ص 187، 188؛ نيل الابتهاج، ص 49.
(2) - الاعتصام، 2/ 380.
(3) - الموافقات، 4/ 117.