أما عن مسألة خلط الأحباس بالأملاك للحاجة إلى الخلط.
فأجاب بأن الخلط لا يحل؛ لأنه ذريعة إلى اندراس الحبس أو طول الزمان أو موت من يحوز، أو تلف عقود التحبيس، وهذا قد يؤدي بصاحب الملك المجاور إلى أخذ بعض الحبس، أو وقوع النزاع في الحيازة بين الموضعين، وكل ما يؤدي إلى ذلك غير جائز.
ثم أعاد المستفتي الكتاب إلى المفتي ووضّح له أنّ الشراء كان مشتملا على نقض حبس وملك في صفقة واحدة [1] ، فلم يستطع الفسخ لكون البائع لا يعقل ذلك الحكم الذي أفتاه به من قبل.
وفي الأخير نجد المستفتي يشكو إلى الشاطبي حيرته و صعوبة الأمر عليه فقال: «والله المخلّص فأشفقت على نفسي و تممت في العمل، و لا حول و لا قوة إلاّ بالله العلي العظيم» [2] ، فردّ عليه الشاطبي مؤكدا له ضرورة فسخ العقد؛ لأنه جمع حلالا و حراما، فإن لم يستطع المستفتي فعل ذلك، عليه برفع من أبى الفسخ إلى الحاكم، و إلاّ كتب إلى السلطان الشكوى، أو توجه هو بنفسه إليه في الحضرة (غرناطة) .
وختم الشاطبي فتواه بالدعاء للمستفتي فقال: « ... و تصلون إن شاء الله إلى ما تريدون، و الله تعالى يخلّص جميعنا بفضله» [3] .
ونظر الشاطبي في فتاويه إلى مآلات الأفعال [4] ؛ لإدراكه أن الشريعة مبنية على الاحتياط، والأخذ بالحزم، و التحرز مما عسى أن يكون طريقا إلى مفسدة، وهو أصل من أصول الشريعة راجع إلى ما هو مكمّل إما
(1) - انظر: المصدر نفسه، ص 171.
(2) - الفتاوى، ص 169.
(3) - المصدر نفسه، ص 171.
(4) - ذكر الشاطبي تطبيقات عديدة لأصل اعتبار المآل: هي قاعدة الذرائع و قاعدة الحيل، و قاعدة مراعاة الخلاف، و قاعدة الاستحسان. انظر: الموافقات 4/ 142 و ما بعدها.