ومن الفتاوى التي نظر فيها الشاطبي إلى مآلات الأفعال وآثار الحكم عليها، عندما سئل عن أداء الصلاة جمعا في المسجد بعد صلاة الإمام؟
فأجاب بأن جمع الصلاة في المسجد الواحد مرتين لا ينبغي أن يقال فيها خارجة عن السنة؛ لكون هذه المسألة مختلفا فيها بين العلماء.
إلاّ أن الإمام مالكًا كره ذلك بالنظر إلى نتائج ذلك الفعل فقد يؤدي إلى الفرقة الحاصلة في تعدد الجماعات، و قد يستغلّ هذه الفرصة أهل البدع فيرفضون الصلاة خلف أهل السنة؛ لذا قال مالك بالكراهية سدا لهذه الذريعة (ذريعة تفرق صفوف المسلين) .
وهذا رأي ابن العربي - أيضا - واحتج له بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا} [1] ، فذمّهم على اتّخاذ المسجد لأوصاف، منها التفريق بين المؤمنين.
ثم أحال الشاطبي المستفتيَ على كتاب أحكام القرآن لابن العربي [2] ؛ لزيادة التوسّع في فهم الجواب.
ثم بيّن أن من ترخّص في تعدد الجماعات في المسجد الواحد اعتمد على بعض التأويلات غير المعتمدة في المذهب المالكي [3] ، والإمام أبو إسحاق - كما ذكرنا سالفا - منهجه في تعدّد الروايات واختلافها هو أن يختار المشهور منها.
و لما سُئل الشاطبي عن بيع أنقاض الحبس و كرائها، وخلطها بالأملاك؟
أجاب بجواز البيع بشرط القلع، و أن لا يضمروا بقاءها على حالها، فإن أضمر ذلك أو اشتُرِط الإبقاء أو كان العرف يقتضيه لم يجز ذلك، و استدل بفتوى ابن عتّاب و ابن القصار.
وأما عن كراء أرض الأحباس فلم يجزه؛ لأن هذا الكراء بغير أمد محدد يعد مجهولا، و الأمد البعيد يكون ذريعة لأن يموت العارفون بالحبس، وكذا الشهداء فيأخذه صاحب اليد [4] .
(1) - التوبة: 107.
(2) - انظر: الفتاوى، ص 126.
(3) - المصدر نفسه، ص 127.
(4) - المصدر نفسه، ص 168، 169.