وبيع السلاح والطعام إلى أهل الحرب داخل فيما يكون أداؤه إلى المفسدة كثيرا لا نادرا؛ لذلك نجد إمامنا لم ينظر إلى تعليلاتهم، ورأى أنه ليس هناك موجب لتسويغ البيع منهم مستدلا بقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [1] .
«فالآية نبّهت على أنّ الحاجة إليهم في جلب الطعام إلى مكة لا ترخّص لهم في انتهاك حرمة الحرم، فكذلك الأمر هنا: لا ترخُص في استباحة الإضرار بالمسلمين» [2] .
كما استدل بقول المازري الذي منع بيع كل ما يكون لأهل الحرب به قوة على المسلمين كالطعام و السلاح و حتى الشمع؛ لأنهم - كما بيّن الشاطبي - يستعينون به في الإضرار بالمسلمين.
ثم أضاف أبو إسحاق قائلا: «و أما صنع الشمع للنصارى فإن كان لأنهم يستعينون به علينا فيُمنع كما ذُكر في بيعه من النصارى، و أما ما يعلم أنهم يصنعونه لآلهتهم فينبغي ألا يصنع لهم، و لا يباع منهم نظير ما قاله ابن القاسم في بيع الشاة منهم مع العلم بأنهم يذبحونها لأعيادهم، فإنه يُكرِّهه كراهية تنزيه و أن البيع إن وقع لم يفسخ وهو في العتبية» [3] .
ويلاحظ أن الشاطبي أجرى غرناطة مجرى غيرها من بلدان العالم الإسلامي في حرمة بيع السلاح للعدو سواء كان حربيا أو مهادنا إلاّ ما استثناه ابن حبيب [4] حيث إنه أجاز بيع الطعام ممن هادن دون الحربي.
والأصل في البيوع مراعاة التراضي بين الطرفين (البائع و المشتري) فإذا تراضيا جاز البيع؛ إلاّ أنه في حالة ما إذا كان الطرف الآخر كافرًا حربيًًا فإن هذا البيع يحرم بالنظر إلى ما يؤول إليه؛ لأنه إمدادٌ للعدو بما يكون له قوة علينا، فهو مؤدٍ إلى المفسدة كثيرا لا نادرا باعتباره يساهم في كسر شوكة الإسلام.
(1) - التوبة: 28.
(2) - انظر: الفتاوى، ص 145، بتصرف يسير.
(3) - الفتاوى، ص 146، 147.
(4) - انظر: المصدر نفسه، ص 145.