فقد اعتمد على قصد المستفتي في الحكم على طلاقه بأنه سنيّ حتى يجيز له مراجعة زوجته؛ لأنه لا عبرة للفظ إلاّ بعد حمله على المعنى الموافق لقصد المطلِّق.
وهناك نازلة أخرى اعتمد فيها على قصد المكلف حيث «سئل - رحمه الله - عمّا يفعله الناس اليوم بأضاحيهم بعد الذبح من التزيين و التعليق هل له مدخل في الشريعة أم لا؟ فإن لم يكن له مدخل وفعل الإنسان ذلك بقصد إدخال السرور على عياله و أولاده من غير مفاخرة ولا مباهاة، هل يباح له ذلك أم لا؟» [1] .
فأجاب الشاطبي [2] أنه لا يذكر في المسألة نصا لأحد لذلك اعتمد على المقاصد التي هي أرواح الأعمال [3] ، فالذي زيّن أضحيته بقصد المباهاة والافتخار، فقصده باطل لأن الأضحية عبادة، والعبادة لا ينبغي أن يشوبها المفاخرة والرياء، وأما إن قصد أمرا جائزا كإدخال السرور على أولاده - كما قال المستفتي - فلا حرج في ذلك.
ومن تتبّع فتاويه [4] يجده في غالبها مراعيا نية المكلّف ومقصده، فمتى عرف مقصده أخذ به وبنى عليه الحكم، فلم يعتبر باللفظ.
واهتمام أبي إسحاق بمقاصد المكلف يدل على تعمّقه في بحث مقاصد الشريعة العامة والخاصة، كما يدل على أن فكره في المقاصد فكر تطبيقي.
(1) - المصدر نفسه، ص 214.
(2) - انظر: الفتاوى، ص 214.
(3) - يقول الشاطبي في الموافقات: «فإن المقاصد أرواح الأعمال، فقد صار العمل ذا روح على الجملة، وإذا كان كذلك اعتبر بخلاف ما إذا خالف القصد ووافق العمل أو خالفا معا، فإنه جسد بلا روح، فلا يصدق عليه مقتضى قوله"الأعمال بالنيات"لعدم النية في العمل» انظر:2/ 261.
(4) - انظر: الفتاوى، ص 124، 135، 143، 144.