جمهور أهل الوقت؛ لكون خططهم قد غلبت عليها العوائد، ودخلت على سننها الأصلية شوائب المحدثات الزوائد» [1] .
وأمام هذه الحوادث والبدع والمنكرات وقف الشاطبي متردّدا وهو ما صوره لنا بقوله: «فتردّد النظر بين أن اتّبع السنة على شرط مخالفة ما اعتاد الناس فلا بدّ من حصول نحو مما حصل لمخالفي العوائد، لاسيما إذا ادّعى أهلها أنّ ما هم عليه هو السنّة لا سواها؛ إلاّ أن في ذلك من العبء الثقيل ما فيه من الأجر الجزيل و بين أن أتّبعهم على شرط مخالفة السنة و السلف الصالح» [2] ؛ إلاّ أنه في الأخير اختار الدفاع عن السنة ومواجهة البدع متّبعا في ذلك أسلوب التدرّج في الدعوة لإحياء السنة ونبذ ما عداها من البدع، فقال: «فرأيت أنّ الهلاك في اتباع السنة هو النجاة، وأنّ الناس لن يغنوا عني من الله شيئا، فأخذت في ذلك على حكم التدريج في بعض الأمور» [3] .
ومع الأسف قُوبِل منهجه الإصلاحي بالرفض بل شنّع عليه خصومه و شهّروا به ورموه بالجهل، ويصف لنا الشاطبي حاله بحزن عميق قائلا: «فقامت عليّ القيامة، وتواترت عليَّ الملامة وفوَّق إليَّ العتاب سهامه ونُسبت إلى البدعة و الضلالة، و أُنزلت منزلة أهل الغباوة والجهالة» [4] .
فنُسب إليه القول بأن الدعاء لا ينفع، بسبب أنه لم يلتزم الدعاء بالهيئة الجماعية في أدبار الصلوات، عندما تولّى الإمامة بالجامع الأعظم.
ونُسب إليه الرفض [5] ، وبغض الصحابة بسبب أنه لم يلتزم ذكر الخلفاء الراشدين في الخطبة؛ مقتديا في ذلك بالسلف - في خطبهم - [6] كما استند إلى رأي أصبغ و
(1) - الاعتصام، 1/ 18.
(2) - الاعتصام، 1/ 19.
(3) - المصدر نفسه.
(4) - المصدر نفسه.
(5) - الرفض و المراد الرافضة: و هي فرقة من الشيعة خرجوا عن زيد بن علي بن الحسين لما سألوه عن أبي بكر و عمر - رضي الله عنهما - فترحّم عليهما، فرفضه قوم، فقال زيد: رفضتموني، رفضتموني، فسموا رافضة. انظر: الشهرستاني، الملل و النحل، 1/ 154، 155؛ الأشعري مقالات الإسلاميين، تصحيح: هلموت رتير، فراتر ستايز، ط 4، 2000، ص 16 و ما بعدها؛ البغدادي، الفرق بين الفرق، ت: محمد محي الدين عبد الحميد، بيروت، المكتبة العصرية، ط:1990، ص 21.
(6) - انظر: الاعتصام 1/ 19.