فأجاب الشاطبي: « ... أن دعاء الإمام للجماعة في أدبار الصلوات ليس في السنة ما يعضّده، بل فيها ما ينافيه، فإن الذي يجب الاقتداء به سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم، والذي ثبت عنده من العمل بعد الصلوات إما ذكر مجرّد لا دعاء فيه كقوله: (اللّهم لا مانع لما أعطيت) وأشباه ذلك، وإما دعاء يخص به نفسه كقوله: (اللّهم اغفر لي ما قدّمت وما أخّرت) وأشباهه. ولم يثبت أنه دعا للجماعة، ومازال كذلك مدّة عمره ثم الخلفاء الراشدون بعده، ثم السلف الصالح إلى أن نصّ العلماء على أنّ الإمام إذا سلّم انصرف لا يقعد في موضع إمامته» [1] .
فهو يرى أن دعاء الإمام والمأمومون يؤمّنون بعد الصلوات المفروضة على هيئة الاجتماع بدعة، إذ لم يفعله سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، وكما أنّه لم يرد ذلك عن السلف الصالح. وقد وقعت هذه النازلة في غرناطة، ذكر أحداثها صاحب المعيار قائلا: «وقع النزاع فيها بين الطلبة، وذلك أنّ إماما في مسجد ترك الدعاء في إثر الصلوات بالهيئة الاجتماعية المعهودة في أكثر البلاد، يدعو الإمام ويؤمّن الحاضرون ويُسمع المسمِّع إن كان، فصار هذا الإمام إذا سلّم من الصلاة مال إلى ناحية من نواحي المسجد أو مضى إلى حاجته، وزعم أن ذلك بناء منه على ما بلغه من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم والأئمة بعده، حسبما نقله الأئمة في دواوينهم من السلف والفقهاء، وعدّ فعل الناس بدعة محدثة لا ينبغي أن تُفعل، بل من شاء أن يدعو حينئذ دعا لنفسه بغير هيئة اجتماع، فأنكر عليه ذلك فقال: هذا هو الصواب حسبما نصّ عليه العلماء، فبلغت الشيخ الأستاذ أبا سعيد بن لب، فأنكر ترك الدعاء إنكارا شديدا ... وقيّد في ذلك تأليفا سماه:"لسان الأذكار و الدعوات مما شرع في أدبار الصلوات"، ضمّنه حججًا كثيرة على صحة ما للناس عليه» [2] .
(1) - الفتاوى، ص 127، 128؛ وانظر: الاعتصام، 1/ 274؛ المعيار، 11/ 113، 114.
(2) - المعيار، 6/ 369، 370.