فهرس الكتاب

الصفحة 296 من 364

وفي هذا يقول الشافعي: «كل ما له مستند من الشرع فليس ببدعة، وإن لم يعمل به السلف؛ لأنّ تركهم للعمل به قد يكون لعذر قام لهم في الوقت، أو لما هو أفضل منه أو لعله لو بلغ جميعهم عُمِل به، والأحكام مأخوذة من الشارع وقد أثبته، نعم، وقد اختلفوا أيضا فيما لم يرد له معارض ولا مثبت، هل هو بدعة؟ وقاله مالك، أو ليس ببدعة وقاله الشافعي، مستنده الحديث: (ما تركه لكم فهو عفو) » [1] .

فمسألة الدعاء الجماعي عقب الصلوات المكتوبة كمسألة الاجتماع في صلاة التراويح التي بادر بها عمر بن الخطاب.

أما إذا قلنا بأن الدعاء الجماعي بعد الصلوات بدعة فهذا يعني أننا نقول بأن الأمة الإسلامية كلها مبتدعة مادامت تدعو بهذه الهيئة أعقاب الصلوات، وهذا لا يصح من وجهين:

1 -أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم لا تجتمع على ضلالة.

2 -أن الأمور المختلف فيها بين العلماء - المعترف لهم بالفضل والرسوخ في العلم- لا يصحّ أن يتّهم الطرف المخالف له بالبدعة.

ومن خلال هذا المبحث يتبيّن أن الشاطبي في حكمه على بدعية كثير من المسائل إنّما كان مقلّدا لمذهب مالك تقليدا صارما؛ لأن هذا الأخير [مالكًا] كان يرى أن كل عمل لم يرد عن السلف فعله، فالعمل به بدعة؛ لأنهم لم يتركوه إلاّ لأمر عندهم فيه، فإنّهم كانوا أحرص النّاس على الخير وأعلم بالسنة.

وفي هذا يقول ابن وضّاح: «فقد كان مالك يكرّه كل بدعة وإن كانت في خير ... » [2] .

وعلّق الإمام الشاطبي على قول ابن وضّاح قائلا: «وجميع هذا ذريعة لئلا يتّخذ سنة ما ليس بسنة، أو يعدّ مشروعا ما ليس مشروعا» [3] .

(1) - زروق، جنة المريدين، مخطوط، نسخة من مركز جهاد الليبيين، ضمن مجموع في التصوّف، رقم:803.

(2) - انظر: ابن وضّاح القرطبي، البدع والنهي عنها، بيروت، دار الرائد العربي، ط:2، 1986، ص 40 - 45.

(3) - الاعتصام، 1/ 272.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت