فالإمام مالك رفض الدعاء الجماعي عقب الصلوات المفروضة خوفا من أن يعتبر من سنن الصلاة أو واجباتها، فإنكاره له من هذا الباب، أمّا الآن فهذا الاحتمال غير وارد. ورأيه في هذه المسألة يماثل رأيه في مسألة صيام ستة أيام من شوال؛ حيث كرّه صيامها خوفا من أن يلحقه بعض الجهلة برمضان، عملا بقاعدة سدّ الذرائع.
ولما سئل الهبطي [1] عن قول بعضهم أن الذكر بالجهر فيه الرياء والمباهاة، وربما كان حيلة لاستمالة قلوب الخلق أجاب: بأن ذلك شيء لا يعلم حقيقته إلاّ الله سبحانه وتعالى والإنسان بصير على نفسه، ولو كان العمل يقطع مخافة الوقوع في ذلك ما اجتمع قوم على خير قط، ولا تصدّر فيه متصدّر قط [2] .
كما أنّ في الدعاء جماعة تعاونًا على الخير، وتحفيزًا للهمم، وهذا يطرد النوم ويزيد في النشاط للإقبال على الطاعة.
جاء في شرح متن الرسالة أنّه: «استمرّ العمل عندنا بإفريقية على جواز ذلك، وكان بعض من لقيته ينصره، بأنّ الدعاء ورد الحثّ عليه من حيث الجملة فقال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم} ، وإذا صار شائعا ذائعا فعله كما هو عندنا، فالغالب على من نصّب نفسه لذلك، نفي العجب والله أعلم» [3] .
فما أجمل أن ندعو بدعاء واحد إلى رب واحد، - خاصة - وأمتنا الإسلامية اليوم قد اشتركت همومها وضعف ساقها وتكالبت عليها سائر الأمم-؛ حيث يستشعر المسلمون، أن لهم هدفا واحدا، ومبدأ واحدا، وربا واحدا يلجأون إليه بخشوع وسكينة ووقار، وعلى طهر وتدبّر، خاصة وأنه قد جاءت أحاديث ترغّب في الذكر بالجهر والجمع، كما أنه ليس له معارض في القرآن أو السنة.
(1) - المعيار الجديد، 11/ 207.
(2) - المصدر نفسه.
(3) - زروق، شرحه على متن الرسالة، دار الفكر، ط: 1982،1/ 201.