إحدى فتاويه التي لم تتجاوز السطرين يقول: «وقد عرفتم مذهبي في هذه المحدثات، فلا أعيده» [1] .
وبالمقابل نجده قد أطال النفس في الجواب عن كثير من المسائل ليخلّصها من الإبهام والغموض والإشكال، فيورد النقول ويعرض الحجج والأدلة، فيستدل بالنقل والعقل ويردّ على أدلّة من يرى خلاف قوله، ويحاول الإقناع قدر المستطاع إلى أن تصل إلى أكثر من ثلاث صفحات [2] ، خاصة إذا تعلق الأمر بقضية خطيرة تمسّ بفكر الأمة ومعتقداتها، وتزعزع استقرارها، كفتواه في جماعة تسمّت بالفقر وادّعت أنها من الصوفيّة؛ إذ كانت تجتمع في الليل للذكر والغناء والرقص، فردّ عليها ردّا مطوّلا معتمدا على أحاديث نبوية وأقوال السلف الصالح، وداعيًا إلى تغيير المنكر وإخماد نار الفتنة؛ لأن البدع في الدين هلاك، بل هي أعظم من السّم في الأبدان [3] .
وطريقة الشاطبي في إصدار فتاويه طريقة عالم محقق، ونزيه يأخذ المسألة فيعرض فحواها - غالبا - ثم يورد الجواب معتمدا في ذلك على القرآن الكريم، وما قاله المفسرون نقلا عن الصحابة - رضي الله عنهم - كما يعتمد على الأحاديث النبويّة التي أخذها من كتب السنة خاصة منها الصّحاح [4] ، وإن لم يجد في المسألة نصا (قرآنًا وسنةً) يذكر أقوال وآراء أشهر الفقهاء المتقدمين الذين لهم قدم راسخ في العلم كالإمام مالك، وابن القاسم، والقرافي، والعتبي، وابن العربي، والباجي، والغزالي ... وغيرهم من العلماء الأجلاّء، وأحيانا نجده يعقّب على أقوال هؤلاء تعقيبات تختلف باختلاف موقفه من القضيّة. فإذا خالف أحدهم عقّب عليه بالردّ المعتمد على الحجة كقوله لأحد المستفتين: «وربما يغترّ هذا القائل بكلام القرافي أو من نقل عنه، وهو غلط بسطته في غير هذا الموضع، ثم استدلاله بما استشهد به أغرب .. » [5] . فالشاطبي يردّ - هنا - على من قال بالبدعة الحسنة اعتمادا على قول
(1) - المصدر نفسه، ص 167، 168.
(2) - انظر: الفتاوى، ص 193 وما بعدها.
(3) - المصدر نفسه، ص 196.
(4) - انظر: المصدر نفسه، ص 193.
(5) - المصدر نفسه، ص 202.