القرافي في تقسيمه للبدع على الأحكام الشرعية الخمسة، واعتبر تقسيمه غلطا غير مقبول - وقد سبق بيان ذلك -.
كما نجده يرد على القائلين بأن العقل يحسّن ويقبّح، مؤكدًا على أن هذا مذهب أهل الضلال [1] ؛ لأنه «قد علم بالتجارب والخبرة السارية في العالم من أول الدنيا إلى اليوم أن العقول غير مستقلة بمصالحها استجلابا لها أو مفاسدها استدفاعا لها» [2] .
ويؤكد الشاطبي في موضع آخر أنه: «يتقدم النقل متبوعا، ويتأخر العقل تابعا، فلا يسرح العقل في مجال النظر إلاّ بقدر ما يسرّحه النقل» [3] .
وإذا لم يجد الشاطبي في المسألة أقوالا للعلماء يلجأ إلى النظر عن طريق القياس، ومراعاة مقاصد المكلفين، وأعرافهم وأحوالهم، فينظر إلى المصالح [4] ، فما رآه يحقق مصلحة المستفتي حكم بالجواز وما رآه يؤدي إلى مفسدة وضرر حكم بعدم الجواز.
كما يظهر من فتاويه مخاطبة الناس بلغة عصرهم، متوخيّا السهولة والدقّة مجتنبا المصطلحات الغامضة والألفاظ الغريبة، ويعضّد منهجه هذا، ما رُوي عن علي رضي الله عنه: (حدّثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يُكَذّب الله ورسوله) [5] .كما أنه اعتمد على مخاطبة العقول والألباب بالحجة لا بإثارة المشاعر والعواطف بالمبالغات، فترك التكلّف في استخدام العبارات الصّعبة والأساليب المعقدة؛ لذا جاءت لغته سهلة قريبة مأنوسة - يفهمها العام والخاص- على الرّغم من أنه يعدّ من كبار المتظلّعين في اللغة، وغالبا ما يذكر الحكم مقرونا بالحكمة والعلّة، مرتبطا بفلسفة التشريع الإسلامي ليزيل الحرج والارتياب من صدور المستفتين، فهذه هي
(1) - المصدر نفسه، ص 203.
(2) - الاعتصام، 1/ 33.
(3) - الموافقات، 1/ 61.
(4) - انظر: فتوى رقم 31، ص 156، وفتوى رقم: 60، ص 214.
(5) - أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: العلم، باب: من خصّ بالعلم قوما دون قوم كراهة ألاّ يفهموا، 1/ 44. (ط: دار إحياء الكتب العربية، فيصل عيسى البابي الحلبي) .