وهذه الفتاوى تصور أيضا الحياة المعيشية للأندلسيين من جانب الرخص والغلاء، وتبيّن كيفية انتقال المنافع والممتلكات وما ينشأ عنها من صحة وفساد، وجواز وبطلان، وحِلّ وحرمة، فعرّفتنا على «نظام الأحباس وما يتقاضاه القائمون على المساجد من دخل» [1] ، كما أطلعتنا على ملكية الأراضي في الأندلس فمنها ملكية عمومية تابعة للدولة، ومنها ملكية خاصة تابعة للأفراد [2] .
كما تكشف هذه النوازل عن العجز المالي الذي أصاب خزينة الدولة، بسبب الإعداد الحربي والعسكري للدولة لمواجهة العدو، مما جعل السلطان يفرض ضريبة على الناس يعطونها من أموالهم، ليتمكّن من تجديد أسوار الحصون، وقد أفتى الشاطبي بجواز ذلك لحماية مصلحة البلاد وخالفه ابن لب [3] .
ونظرا لضيق الحياة الاقتصادية اضطر بعضهم إلى التبادل التجاري مع العدو المحارب، فأفتى الإمام بمنع ذلك التعامل وحرمته [4] .
وتكشف - أيضا - عن النشاط الفلاحي، ككراء الأرض بجزء مما يخرج منها [5] ، وتربية دودة الحرير [6] ولقط الزيتون وعصره [7] ... وغيرها من الأنشطة الاقتصادية.
فهذه النوازل جديرة بالعناية، وحقيقة بأن يعكف عليها الباحثون، ليس أهل الفقه و الأصول فحسب، بل علماء الاجتماع والتاريخ، خاصة المؤرخين المهتمّين بالحضارة الأندلسية، فهي تصوّر عدة جوانب من حياة
(1) - انظر: أبو الأجفان، مقدمة الفتاوى، ص 100.
(2) - المصدر نفسه، ص 154.
(3) - المصدر نفسه، ص 187، 188.
(4) - الفتاوى، ص 144، 145.
(5) - المصدر نفسه، ص 153، 154.
(6) - المصدر نفسه، ص 155.
(7) - المصدر نفسه، ص 151.