وإذا سُئل المفتي عن حادثة قبل وقوعها، فلا يُلزم بالإجابة عنها فقد كان السلف الطيب إذا سئل أحدهم عن مسألة يقول للسائل: هل كانت أو وقعت؟ فإن قال: لا، لم يجبه، وقال: دعنا في عافية [1] ؛ ذلك لأن الفتوى بالرأي لا تجوز إلا عند الضرورة، فالضرورة تبيحه كما تباح الميتة عند الاضطرار [2] .
ففي هذه الحالة تكون الفتوى مكروهة، واحتج الشافعي على كراهتها [3] بقوله تعالى: {لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [4] .
والسؤال عن الحادثة التي لم تقع مستحب، و ذلك إذا كان فيها نص أو إجماع، فعلى المفتي أن يبلغ بحسب الإمكان، فمن سئل عن علم وكتمه ألجمه الله بالنار [5] ، روي عن ابن عباس أنه قال عن صحابة رسول الله: (ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم) [6] .
وتحرم الفتوى إذا لم يأمن المفتي غائلتها، وخاف من ترتب شر أكثر من الإمساك عنها ترجيحا لدفع أعظم المفسدتين بإدخال أدناهما، وتحرم أيضا إذا كان عقل
(1) - فكانوا رضي الله عنهم لا يفتون، إلاّ فيما نزل ثقة منهم بأن الله يوفقهم عند نزول الحادثة للجواب عنها. انظر: الخطيب البغدادي، الفقيه والمتفقه،11/ 164.
(2) - المصدر نفسه، 4/ 157؛ انظر: جمال الدين القاسمي، الفتوى في الإسلام، ص 134.
(3) - انظر: الشافعي، الرسالة، ت: أحمد محمد شاكر، بيروت، المكتبة العلمية، ص 151، 152.
(4) - المائدة:101.
(5) - انظر: ابن القيم، إعلام الموقعين، 4/ 157، 158؛ محمد إبراهيم الحفناوي، تبصير النجباء، ط 1، دار الحديث، القاهرة، 1995، ص 329.
(6) - أخرجه الدارمي، باب: كراهية الفتوى، ح: 127. (ت: عبد الله هاشم، ط:1984) .