ضوابط [1] أو بناءً على الهوى، بل اشترطوا فيها عدم مخالفة النص الشرعي غير القابل للتأويل، وفي هذا يقول الأستاذ زكريا البري: «ليس معنى تغير الأحكام بتغير
(1) - أقر أكثر العلماء تغير الأحكام بتغير الموجِب؛ لكن لم يتركوا ذلك سدى، بل بينّوا حدود هذا التغير و جعلوا له ضوابط حصروها في ثلاثة: علوية النص (اعتبار النص القطعي المحكم) ، اعتبار المقاصد، ومراتب التعليل. أما علوية النص فقد صرّح القرآن بوجوب التمسّك بأحكامه وتطبيقها فقال تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه} المائدة: من الآية 49، فالنصوص القطعية في ورودها (القرآن و السنة) هي نصوص مسلّم بها، فلا يجوز بحال من الأحوال إنكار صحة مصدرها بدعوى عوامل التغير، أما النصوص قطعية الدلالة الثابتة في معانيها التي لا تقبل إلا تفسيرا واحدا، كوجوب الصلاة و الصيام و الزكاة ... فهذان المصدران السماويان هما أصلا الشريعة، يرجع إليهما المجددون في كل آن، وعليه إذا وقعت نازلة ورد حكمها في الكتاب أو السنة فلا ينظر إلى خِلافهما
أو من خَالفَهُما؛ لكن الاجتهاد بابه مفتوح يستطيع الفقهاء في كل عصر أن يتحركوا داخل النصوص و الأصول والضوابط فيُوجِدوا حلولا لأحداث كل الحياة، والضابط الذي نحن بصدده ينطلق من قاعدة (لا اجتهاد في مورد النص) و معناها: أن لا يُعمل بعوامل التغير في موارد النصوص القطعية الورود و الدلالة. انظر: مصطفى الزرقا، الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد، دمشق، مطبعة الإنشاء، ط 9، 1965، 2/ 921؛ وهبة الزحيلي، الاجتهاد في الشريعة الإسلامية، السعودية، منشورات جامعة الإمام، ط:1984، ص 187)، و الضابط الثاني؛ يتمثل في اعتبار المقاصد في الأحكام: فالأحكام التي تقبل التغير، لا بد أن تكون متماشية مع القواعد الشرعية العامة؛ لأن غاية التغيّر ليس التهرب من تطبيق الأحكام الشرعية أو التساهل في الدين، فالشريعة جاءت لإبعاد المكلفين عن دواعي أهوائهم حتى يكونوا عبادا لله؛ لذلك و جب اعتبار المقاصد الشرعية؛ و مقاصد الشريعة خمسة أنواع: حفظ الدين و حفظ النفس و حفظ العقل و حفظ العرض أو النسل وحفظ المال ونضيف حفظ الحرية فهو يدخل في إطار حفظ النفس و العقل وله أيضا ارتباط بالمقاصد الأخرى، و ليست قيمته أقل من حفظ المال، فالإنسان ينال هذا الحق منذ الولادة، إذن فالحرية ملازمة للكرامة الإنسانية، فهي حق طبيعي، أغلى و أثمن شيء يقدسه الإنسان و يحرص عليه، قال عمر بن الخطاب لعمرو بن العاص:"متى استعبدتم الناس و قد ولدتهم أمهاتهم أحرارا"فعلى الحاكم توفير الحريات بمختلف مظاهرها الدينية والفكرية و السياسية و المدنية في حدود النظام و الشريعة، و قد ثبت إقرار هذه الأنواع للمقاصد الشرعية عبر عملية استقراء النصوص و الأحكام و الأدلة و عموم الجزئيات و التصرفات الشرعية؛ لأنها معلومة من الدين بالضرورة، و بهذا يتضح أن الشريعة إنما وضعت بقصد حفظ الناس في أحوال دينهم و حاجيات= =نفوسهم و سلامة عقولهم و نماء أموالهم و صون أعراضهم و حفظ حرياتهم، فكانت هذه المقاصد عاملة على إثبات مبدأ العبودية لله وحده و ترسيخه، وهذه المقاصد على ثلاثة مراتب: ضروريات وحاجيات و تحسينيات. (انظر: أبو زهرة، أصول الفقه، ص 404،405؛ ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، تونس، المطبعة الفنية، ط: 1978، ص 9، 10؛ رشيد رضا، الفتاوى، بيروت، دار الكتاب الجديد، ط 1، 1970، 4/ 15 - 23؛ علال الفاسي، مقاصد الشريعة الإسلامية و مكارمها، دار الغرب الإسلامي، ص 248 وما بعدها؛ البوطي، ضوابط المصلحة، ص 121) .
أما الضابط الثالث فيتمثل في مراعاة مراتب التعليل في الأحكام الشرعية: إذ بمراعاة هذا الضابط لا تختلط مستويات الأدلة الشرعية، فيعتمد عليها حسب قوتها في الاستدلال، و ترك المسائل الخلافية و العمل بما اتفق عليه و هذا يبدأ من الكتاب و السنة و الإجماع ... إلى آخر دليل، وعليه فلا يمكن اعتبار المصلحة مع النص، ولا يمكن اعتبار العرف مع الإجماع ... و هكذا لا نترك الدليل الأقوى لنعمل بالدليل الأضعف.
ومراعاة مراتب التعليل: لا يعتبر من باب تعارض الأدلة الشرعية؛ لأن التعارض تقابل دليلين متساويين على وجه يمنع كل منهما مقتضى الآخر؛ بل هي درجة قوة الأدلة الشرعية على حسب مراتبها، والفائدة من معرفتها أن لا يكون خلط في معرفة المقاصد الشرعية. (للاستزادة راجع: رشيد رضا، الفتاوى، 1/ 309، 310، بدران أبو العينين بدران، أدلة التشريع المتعارضة ووجوه الترجيح بينهما، الإسكندرية، مؤسسة شباب الجامعة، ص 21؛ إسماعيل كوكسال، تغير الأحكام في الشريعة الإسلامية، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط 1، 2000، ص 263 و ما بعدها.