فقد كُتبت عن شخصيته ومناقبه مؤلَّفات كثيرة -، فمنها نبع وفيها نبغ، ومنها انتشر في جهات من أنحاء العالم عن طريق تلاميذه الذين تجاوز عددهم الألف، ومع كثرتهم فقد كانوا من أصقاع مختلفة، ولما رجعوا إلى بلدانهم حملوا معهم ما كانت تتمتّع به شخصية الإمام مالك العلمية من ازدواجية معرفته القائمة على علمي الحديث والفقه ونبوغه فيهما، فكما كان إماما في مدرسة الحديث، كان إماما في مدرسة الفقه، فحمل تلاميذه معهم موطّأه، وهو حصيلة جهده في جمع السنة النبوية، ونقد مروياتها «ومزجه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين، وبوّبه على أبواب الفقه ... فكان كتابا حديثيا فقهيا جمع بين الأصل والفرع 2» ، وبذلك حملوا معهم فقهه وأقواله وأصوله وهو حصيلة اجتهاده، كما حملوا معهم في نفوسهم إجلالا لإمامهم، لما رأوا فيه من سمات التقوى والصلاح التي حبا الله سبحانه بها إمام دار الهجرة.
فأخذوا ينشرون ما تلقوه عن إمامهم؛ بعد أن صاروا علماء يتصدّرون مجالس التدريس، والإفتاء، والقضاء، ورواية الحديث فانتشر بذلك المذهب المالكي في عدة بلدان، حتى أضحى في بعضها مهيمنا على البلاد كلّها لا يزاحمه في ذلك أي مذهب، مثل: المدينة المنورة والحجاز [1] ، وانتقل إلى مصر- قبل دخول الشافعي إليها - على يد عثمان بن الحكم الجذامي [2] ، وسعد بن عبد الله المعافري [3] ، وعبد الرحيم بن خالد بن يزيد [4] ،
(1) - لا يزال سائدا حتى الآن في منطقة الأحساء، وفي دولة الإمارات العربية، ودولة الكويت، وقطر والبحرين. انظر: موسوعة الأديان في العالم (المذاهب في الفقه الإسلامي) ، بيروت، دار كريبس، ط: 2000، ص 213.
(2) - هو أول من أدخل علم مالك إلى مصر. انظر ترجمته: المدارك،1/ 309؛ الفكر السامي، 1/ 443.
(3) - من كبراء أصحاب مالك من المصريين. انظر ترجمته: المدارك، 1/ 311؛ الديباج، 1/ 389.
(4) - أول من قدم مصر بمسائل مالك. انظر ترجمته: المدارك، 1/ 310.