فهرس الكتاب

الصفحة 187 من 405

فقام عثمان فقال:

ـ أرى أن تكتب إلى أهل الشام فيسيرون من شأمهم ولَكتب إلى أهل اليمن فيسيرون من يمنهم وتسير أنت بنفسك من هذين الحرمين إلى هذين المصرين من أهل الكوفة والبصرة فتلقى جموع المشركين في جموع المسلمين.

ثم قام علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه فقال:

ـ إنك إن أشخصت أهل الشام سارت الروم إلى ذرا ريهم، وإنك إن أشخصت أهل اليمن سارت الحبشة إلى ذرا ريهم، وإنك متى شخصت من هذين الحرمين انتقضت عليك الأرض من أقطارها حتى تكون ما تخلف خلفك من العورات أهم إليك مما بين يديك

ولكن أرى أن تكتب إلى أهل البصرة فيفترقون ففرقة تقيم في أهاليها وفرقة يسيرون إلى إخوانهم بالكوفة وإما ما ذكرت من كثرة القوم فإنا لم نكن نقاتلهم فيما خلا بالكثرة ولكنا نقاتلهم بالنصر.

فقال عمر رضي اللّه عنه:

ـ صدقت يا أبا الحسن هذا رأي ولئن شخصت من البلدة لتنقضن عليّ الأرض من أقطارها وليمدنهم من لم يكن يمدهم فأشيروا عليّ برجل أوليه ذلك الثغر.

قالوا: أنت أفضلنا رأيا.

قال: أشيروا عليّ به واجعلوه عراقيًا.

قالوا: أنت أعلم بأهل العراق.

قال: لأولّينّ ذلك الثغر رجلًا يكون قتيلًا في أول سنة.

قالوا: ومن هو .. ؟

قال: النعمان بن مقرن.

ثم كتب إلى أهل البصرة بما أشار به علي رضي اللّه عنه، ثم كتب إلى أهل الكوفة إني استعملت عليكم النعمان بن مقرن المزني فإن قتل فعليكم حذيفة بن اليمان، فإن قتل عليكم جرير بن عبد الله البجلي، فإن قتل فعليكم المغيرة بن شعبة، فإن قتل فعليكم الأشعث بن قيس.

وانتظر لنعمان بن مقرن بالقتال أحب الساعات كانت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلقى العدو فيها وذلك عند الزوال

فلما كان قريبًا من تلك الساعة ركب فرسه، وسار في الناس ووقف على كل راية يذكَرهم ويحرّضهم ويمنّيهم الظفر وقال لهم: إني مكبّر ثلاثًا فإذا كبرتُ الثالثة فإني حاملٌ إنْ شاءالله فاحملوا وإن قتلت فلأمير بعدي حذيفة، فإن قتل ففلان، وعد سبعة آخرهم المغيرة، ثم قال:

اللهم أعزز دينك، وانصر عبادك، واجعل النعمان أول شهيد اليوم

فاستجاب الله له فقتل شهيدا، وتسلم حذيفة الراية، وأكمل الله به النصر، وقسم حذيفة الغنائم بين المسلمين.

وفاته:

وفي يوم من أيام العام الهجري السادس والثلاثين .. دخل عليه بعض أصحابه، فسألهم:

ـ أجئتم معكم بأكفان .. ؟

قالوا: نعم ..

قال: أرونيها ..

فلما رآها، وجدها جديدة فارهة.

فارتسمت على شفتيه آخر بسماته الساخرة، وقال لهم:

ـ ما هذا لي بكفن .. إنما يكفيني لفافتان بيضاوان ليس مهما قميص ..

فاني لن أترك في القبر إلا قليلا، حتى أبدّل خيرا منهما أو شرّ منهما".. !"

وتمتم بكلمات، ألقى الجالسون أسماعهم فسمعوها:

ـ مرحبا بالموت .. حبيب جاء على شوق .. لا أفلح من ندم.

وفي رواية ثانية قال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت