فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 405

رسميًّا. وعلى أي حال، فقد شكلت هذه المحاولات إرهاصات أولية لظهور النقود الإسلامية.

وقد أشار الكتّاب المسلمون إلى علم النقود أو"علم النميات" (Numismatic) ، ولكن في نُبذ عرضية أو فصول خاصة -فيما عدا"المقريزي"الذي خصص كتيّبًا أسماه"شذور العقود في ذكر النقود"- وأطلقوا على النقود الإسلامية لفظ"السّكة".

ولما استخلف أبو بكر الصديق رضي الله عنه، عمل بسنة النبي صلى الله عليه وسلم في إقرار التعامل بتلك النقود ذات الصور الآدمية والشارات غير الإسلامية، ولم يغير منها شيئًا.

ولكن ما لبث المسلمون في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن أصبحوا سادة فارس

وما بين النهرين والشام ومصر، فأبقوا على نقود كانت مألوفة لديهم. ثم ضرب عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعض الدراهم على نقش الكسروية وشكلها، وغيّر في بعضها"الحمد لله"وفي بعضها"لا إله إلا الله".

وكذلك فعل عثمان بن عفان ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما.

تعريب السكة الإسلامية

وتؤكد لنا النقود ما جاء في المصادر التاريخية، أن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان (65 - 76 هـ) كان أول من عرّب السكة الإسلامية تعريبًا كاملًا حين بدأ بتعريب الدواوين؛ حيث وجد أن من ضرورات الاستقرار السياسي والاقتصادي، إضفاء الطابع الإسلامي على جميع الميادين الإدارية والمالية.

ويقف كذلك وراء قرار عبد الملك بتعريب العملة، جملة من الأسباب، ولكن السبب المباشر هو ما عُرف تاريخيًّا باسم"مشكلة القراطيس"، أي ورق البردي

وخلاصتها أن مصانع البردي في مصر اعتادت أن تبعث بهذا الورق إلى بيزنطية، وقد كتبت عليه بسملة التثليث (الآب والابن وروح القدس) باللغة اليونانية.

واستمر هذا التقليد قائمًا بعد فتح مصر على يد المسلمين، ولا سيما أن أصحاب هذه المصانع كانوا أقباطًا، وقدَّر الله أن يتنبه عبد الملك إلى هذا الأمر، فطلب من عامله على مصر بأن يلغي هذا التقليد، وأن يكتب على البردي: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} .

وعندما علم الإمبراطور البيزنطي جستنيان الثاني (ت 711 م) بذلك، استشاط غضبًا وبعث إلى الخليفة أكثر من مرة يطلب منه سحب قراره.

وعندما أدرك الإمبراطور أن عبد الملك مصمم على موقفه، هدّده بأن يصدر دنانير تحمل نقشًا مُهينًا للإسلام والمسلمين. فاستشار الخليفة أصحابه، واتخذ في ضوء ذلك قراره التاريخي بسك الدينار الذهبي الإسلامي

وتحريم تداول الدنانير البيزنطية تحريمًا كاملًا. وبذلك انتزع من جستنيان الورقة التي كان يهدد بها.

ولقد أزال عبد الملك عن النقود الإسلامية رسوم الأباطرة البيزنطيين والشارات المسيحية من الدنانير، وكذلك ألغى رسوم الملوك الساسانيين وشارات معابد النار، مستعيضًا عنها بآيات من القرآن الكريم ومأثورات إسلامية خالصة، بل نجد على الوجه الثاني للعملة تاريخ الضرب واسم المدينة.

الاستقلال المالي

وانتهى النزاع باشتعال الحرب من جديد بين المسلمين والبيزنطيين، تلك الحرب التي كان النصر فيها للدولة الإسلامية.

ومما لا جدال فيه أن هذه الحرب لم تكن مجرد صدام بين حاكمين، ولكنها كانت تحديًا وصراعًا بين حضارة قديمة تفتخر بتراثها الديني وسلطتها العالمية من ناحية، وبين دولة فتية تحتم عليها أن تفسح مكان لعقيدتها الدينية الخاصة بها، ولحقوقها الخلافية من ناحية أخرى.

ويرى الباحث"عادل زيتون"، أنه إذا كانت"مشكلة القراطيس"هي السبب المباشر لقرار عبد الملك في سك النقود الإسلامية -الدنانير منها والدراهم- إلا أن هناك أسبابًا أخرى ربما تفوق في أهميتها تلك المشكلة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت