فهرس الكتاب

الصفحة 191 من 405

وفي مقدمتها رغبة الخليفة في تحقيق الاستقلال المالي عن الدولة البيزنطية، وفي التخلص من الفوضى التي كانت سائدة في النقود الأجنبية المتداولة في العالم الإسلامي آنذاك، الدنانير منها والدراهم، نتيجة تنوعها واختلاف أوزانها وعيارها، وما كان على تلك الفوضى من أضرار مالية واقتصادية تلحق بالدولة والرعية على السواء.

هذا فضلًا عن رغبة الخليفة في التخلص من الغش الذي انتشر في تلك النقود، وأدى بالتالي إلى انخفاض قيمتها الشرائية وارتفاع الأسعار وانعدام ثقة الناس بها.

وجاء شكل الدينار الذهبي الإسلامي الذي سكه عبد الملك عام (77 هـ) على النحو التالي: نقش على أحد الوجهين"الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد"، ونقش على مدار الوجه نفسه"بسم الله، ضرب هذا الدينار في سنة سبع وسبعين"

أما على الوجه الآخر فقد نقش"لا إله إلا الله وحده لا شريك له"، ونقش على مداره"محمد رسول الله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله". أما وزن هذا الدينار فقد كان 25،4 جرامًا وهو الوزن الشرعي للدينار. وكانت نسبة الذهب فيه نحو 96%.

وقد أخذ الدينار الإسلامي بالانتشار التدريجي، وغدا العملة الذهبية الوحيدة في العالم الإسلامي؛ من حدود الصين شرقًا إلى الأندلس غربًا، ووضعت الدولة الإسلامية النظم والقواعد لدعمه وحمايته. ولكن لم يقتصر انتشار هذا الدينار داخل حدود العالم الإسلامي فقط، وإنما اجتازها إلى مدن العالم القديم وأسواقه أيضًا.

السيادة الاقتصادية

ولا ننسى أن قوة اقتصاد العالم الإسلامي وازدهاره، من أهم العوامل التي ساعدت الدينار على تحقيق مكانته العالمية. فقد أصبح للمسلمين جميعًا - في العصور الوسطى- سيادة اقتصادية على الشرق والغرب، فثرواتهم الزراعية منها والصناعية وما تميزت به من تنوع وجودة وسمعة عالمية، جعل التجار المسلمين يمسكون بأيديهم معظم التجارة الدولية آنذاك.

فقد غدت الطرق التجارية الكبرى -البرية منها والبحرية- بأيدهم أو تحت إمرتهم. ويضاف إلى ذلك كله أن البحر الأبيض المتوسط قد تحوّل منذ مستهل القرن التاسع الميلادي (الثالث الهجري) إلى بحيرة إسلامية.

وأضحت النقود الإسلامية خير سفير لعقيدة التوحيد بما تحمله من كتابات عربية وآيات قرآنية، اكتسبت الثقة بين شعوب أوربا التي أطلقت عليها لفظ"المنقوشة"كما وردت في النصوص اللاتينية، بل إن بعض ملوك إنجلترا - وهو الملك أوفا- لم يقبل شعبه غير النقود التي ضربها تقليدًا للنقود العربية المنقوشة.

ولا زال بالمتحف البريطاني واحد من دنانير الملك"أوفا"وعليها شهادة التوحيد والرسالة المحمدية والتاريخ الهجري عام (157 هـ) واسم الملك باللاتينية.

وأخذت النقود الأوربية المقلدة للنقود الإسلامية يزداد ضربها حتى القرن الثالث عشر الميلادي، ولم يمنع ذلك من تعامل أوربا بالنقود العربية الإسلامية. وقد استعارت أوربا في معاملاتها التجارية كلمة"سكة"لتصبح في الفرنسية (Seguin) ، وفي الإيطالية (Zecca) ، كما استعيرت من العربية كلمة"صك"لتصبح (Cheque) .

الخط العربي والزخرفة

ومن ناحية أخرى، فإن أثر الخط العربي والكتابات العربية المنقوشة على النقود الإسلامية، كان له تأثيره على النقود الأوربية. وهو موضوع قد حظي بكثير من عناية الباحثين الأوربيين.

وقد أفادت صناعة العملة وصكها، من تقدم فنون الزخرفة الإسلامية. فقد تميز فن العملات الإسلامية بالمزج بين الخط والتجريد.

وقد حافظ التيار الرئيسي للعملة الإسلامية على نهج القرن الرابع الهجري الذي يعرض عن الصور، باستثناء قطع قليلة تأثرت بمصدر غير إسلامي.

إن إلقاء نظرة عابرة على الدنانير الأموية والعباسية، يترك انطباعًا بأنه لم يطرأ أي تغيير على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت