أبلى يوم أحد بلاء حسنا، وحمل الرسول على كتفيه، وأصيب بضعا وسبعين إصابة، وقطعت إصبعه. كان ثريا كثير الأموال، كثير الصدقات. اختاره عمر بن الخطاب عند وفاته ضمن ستة، هم أصحاب الشورى؛ ليختاروا خليفة للمسلمين من بينهم. وقد كان شديدا على عثمان في فتنته، ولكنه لم يرض بقتله، وكان يقول:"اللهم خذ مني لعثمان حتى ترضى"
اشترك في حرب الجمل ضد علي، ولكن عليا كلمه وكلم الزبير فرجعا عن قتاله، ولكنهما قتلا والذي قتل طلحة هو مروان بن الحكم.
9 ـ عبد الرحمن بن عوف
عبد الرحمن بن عوف أحد الثمانية السابقين الى الإسلام، عرض عليه أبو بكر الإسلام فما غُمَّ عليه الأمر ولا أبطأ، بل سارع الى الرسول - صلى الله عليه وسلم - يبايعه وفور إسلامه حمل حظه من اضطهاد المشركين، هاجر الى الحبشة الهجرة الأولى والثانية، كما هاجر الى المدينة مع المسلمين وشهد المشاهد كلها، فأصيب يوم أُحُد بعشرين جراحا إحداها تركت عرجا دائما في ساقه، كما سقطت بعض ثناياه فتركت هتما واضحا في نطقه وحديثه
كان - رضي الله عنه - محظوظا بالتجارة إلى حد أثار عَجَبه فقال:
(لقد رأيتني لو رفعت حجرا لوجدت تحته فضة وذهبا) وكانت التجارة عند عبد الرحمن بن عوف عملًا وسعيًا لا لجمع المال ولكن للعيش الشريف، وهذا ما نراه حين آخى الرسول صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، فآخى بين عبد الرحمن بن عوف و سعد بن ربيع، فقال سعد لعبد الرحمن: (أخي أنا أكثر أهل المدينة مالا، فانظر شطر مالي فخذه، وتحتي امرأتان، فانظر أيتهما أعجب لك حتى أطلّقها وتتزوجها (
فقال عبد الرحمن: (بارك الله لك في أهلك ومالك، دُلوني على السوق) وخرج الى السوق فاشترى وباع وربح حق الله كانت تجارة عبد الرحمن بن عوف ليست له وحده، وإنما لله والمسلمون حقا فيها، فقد سمع الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول يوما: (يا بن عوف إنك من الأغنياء، وإنك ستدخل الجنة حَبْوا، فأقرض الله يُطلق لك قدميك)
ومنذ ذاك الحين وهو يقرض الله قرضا حسنا، فيضاعفه الله له أضعافا، فقد باع يوما أرضا بأربعين ألف دينار فرّقها جميعا على أهله من بني زُهرة وأمهات المسلمين وفقراء المسلمين، وقدّم خمسمائة فرس لجيوش الإسلام، ويوما آخر ألفا وخمسمائة راحلة، وعند موته أوصى بخمسين ألف دينار في سبيل الله، وأربعمائة دينار لكل من بقي ممن شهدوا بدرا
و وصل للخليفة عثمان نصيبا من الوصية فأخذها وقال: (إن مال عبد الرحمن حلال صَفْو، وإن الطُعْمَة منه عافية وبركة (
وبلغ من جود عبد الرحمن بن عوف أنه قيل: (أهل المدينة جميعا شركاء لابن عوف في ماله، ثُلث يقرضهم، وثُلث يقضي عنهم ديونهم، وثلث يصِلَهم ويُعطيهم(
في أحد الأيام اقترب على المدينة ريح تهب قادمة اليها حسبها الناس عاصفة تثير الرمال، لكن سرعان ما تبين أنها قافلة كبيرة موقَرة الأحمال تزحم المدينة وترجَّها رجّا، وسألت أم المؤمنين عائشة:
)ما هذا الذي يحدث في المدينة؟ (
وأُجيبت أنها قافلة لعبد الرحمن بن عوف أتت من الشام تحمل تجارة له فَعَجِبَت أم المؤمنين: (قافلة تحدث كل هذه الرجّة؟) فقالوا لها: (أجل يا أم المؤمنين، إنها سبعمائة راحلة) وهزّت أم المؤمنين رأسها وتذكرت: أما أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حَبْوا"
ووصلت هذه الكلمات الى عبد الرحمن بن عوف، فتذكر أنه سمع هذا الحديث من النبي -صلى الله عليه وسلم- أكثر من مرة، فحثَّ خُطاه الى السيدة عائشة وقال لها: (لقد ذكَّرتني بحديث لم أنسه (
ثم قال: (أما إني أشهدك أن هذه القافلة بأحمالها وأقتابها وأحْلاسِها في سبيل الله) ووزِّعَت حُمولة سبعمائة راحلة على أهل المدينة وما حولها