جيء له يوما بطعام الإفطار وكان صائما، فلما وقعت عليه عيناه فقد شهيته وبكى ثم قال: (استشهد مصعب بن عمير وهو خير مني فكُفّن في بردة إن غطّت رأسه بدت رجلاه، وإن غطّت رجلاه بدا رأسه، واستشهد حمزة وهو خير مني، فلم يوجد له ما يُكَفّن فيه إلا بردة، ثم بُسِطَ لنا في الدنيا ما بُسط، وأعطينا منها ما أعطينا وإني لأخشى أن نكون قد عُجّلت لنا حسناتنا)
و وضع الطعام أمامه يوما وهو جالس مع أصحابه فبكى، وسألوه: (ما يبكيك يا أبا محمد؟) قال: (لقد مات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وما شبع هو وأهل بيته من خبز الشعير، ما أرانا أخّرنا لما هو خير لنا) وخوفه هذا جعل الكبر لا يعرف له طريقا، فقد قيل: (أنه لو رآه غريب لا يعرفه وهو جالس مع خدمه، ما استطاع أن يميزه من بينهم (
كان عبد الرحمن بن عوف من الستة أصحاب الشورى الذين جعل عمر الخلافة لهم من بعده قائلا: (لقد توفي رسول الله وهو عنهم راض) وأشار الجميع الى عبد الرحمن في أنه الأحق بالخلافة فقال: (والله لأن تُؤخذ مُدْية فتوضع في حَلْقي، ثم يُنْفَذ بها إلى الجانب الآخر، أحب إليّ من ذلك)
وفور اجتماع الستة لإختيار خليفة الفاروق تنازل عبد الرحمن بن عوف عن حقه الذي أعطاه إياه عمر، وجعل الأمر بين الخمسة الباقين، فاختاروه ليكون الحكم بينهم وقال له علي كرم الله وجهه:
لقد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يصفَك بأنك أمين في أهل السماء، وأمين في أهل الأرض
فاختار عبد الرحمن بن عوف (عثمان بن عفان) للخلافة، ووافق الجميع على إختياره، وفاته في العام الثاني والثلاثين للهجرة جاد بأنفاسه -رضي الله عنه- وأرادت أم المؤمنين أن تخُصَّه بشرف لم تخصّ به سواه، فعرضت عليه أن يُدفن في حجرتها الى جوار الرسول وأبي بكر وعمر، لكنه استحى أن يرفع نفسه الى هذا الجوار، وطلب دفنه بجوار عثمان بن مظعون إذ تواثقا يوما أيهما مات بعد الآخر يدفن الى جوار صاحبه
وكانت يتمتم وعيناه تفيضان بالدمع:
(إني أخاف أن أحبس عن أصحابي لكثرة ما كان لي من مال (
10 ـ سعيد بن زيد القرشي
سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيْل العدوي القرشي، أبو الأعور، من خيار الصحابة ابن عم عمر بن الخطاب وزوج أخته، ولد بمكة عام (22 قبل الهجرة) وهاجر الى المدينة، شهد المشاهد كلها إلا بدرا لقيامه مع طلحة بتجسس خبر العير، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، كان من السابقين الى الإسلام هو وزوجته أم جميل (فاطمة بنت الخطاب (
والده رضي الله عنه (زيد بن عمرو) اعتزل الجاهلية وحالاتها ووحّد الله تعالى بغير واسطة حنيفيًا، وقد سأل سعيد بن زيد الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقال: (يا رسول الله، إن أبي زيد بن عمرو بن نفيل كان كما رأيت وكما بَلَغَك، ولو أدركك آمن بك، فاستغفر له؟) قال: (نعم) واستغفر له وقال: (إنه يجيءَ يوم القيامة أمّةً وحدَهُ (
وكان رضي الله عنه مُجاب الدعوة، وقصته مشهورة مع أروى بنت أوس، فقد شكته الى مروان بن الحكم، وادَّعت عليه أنّه غصب شيئًا من دارها، فقال: (اللهم إن كانت كاذبة فاعْمِ بصرها واقتلها في دارها) فعميت ثم تردّت في بئر دارها، فكانت منيّتُها
وكان سعيد بن زيد موصوفًا بالزهد محترمًا عند الوُلاة، ولمّا فتح أبو عبيدة بن الجراح دمشق ولاّه إيّاها، ثم نهض مع مَنْ معه للجهاد، فكتب إليه سعيد: (أما بعد، فإني ما كنت لأُوثرَك وأصحابك بالجهاد على نفسي وعلى ما يُدْنيني من مرضاة ربّي، وإذا جاءك كتابي فابعث إلى عملِكَ مَنْ هو أرغب إليه مني، فإني قادم عليك وشيكًا إن شاء الله والسلام (
كتب معاوية إلى مروان بالمدينة يبايع لإبنه يزيد، فقال رجل من أهل الشام لمروان: ما يحبسُك؟