فهرس الكتاب

الصفحة 281 من 405

(ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟)

، قال ـ صلى الله عليه وسلم: ـ بلى

فقال: (فَلِمَ نعط الدنية في ديننا إذًا؟)

لكن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان مدركا وموقنا أن هذا الصلح سيكون فاتحة خير وبركة على المسلمين بعد ذلك. ثم انصرف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قاصدا المدينة

ومن خلال صلح الحديبية وأحداثه، يمكن استخلاص العديد من الدروس والحِكَم، ومنها:

أولا: وجوب طاعة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والانقياد والتسليم لأمره، فعمر ـ رضي الله عنه ـ وبعض الصحابة كرهوا هذا الصلح

ورأوا في شروطه الظلم والإجحاف بالمسلمين، لكنهم ندموا على ذلك، وظلت تلك الحادثة درسا لهم فيما استقبلوا من حياتهم، فكان سهل بن حنيف ـ رضي الله عنه ـ يقول:"اتهموا رأيكم، رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لرددته"

وبقي عمر ـ رضي الله عنه ـ زمنا طويلا متخوفا أن ينزل الله به عقابا لما قاله يوم الحديبية، وكان يقول: فما زلت أصوم وأتصدق وأعتق من الذي صنعت، مخافة كلامي الذي تكلمت به يومئذ. وهو القائل ـ رضي الله عنه ـ بعد ذلك وهو يقبل الحجر الأسود: (إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقبلك ما قبلتك) البخاري

فتعلم الصحابة من صلح الحديبية وجوب طاعة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والانقياد لأمره وإن خالف ذلك العقول والنفوس، ففي طاعته ـ صلى الله عليه وسلم ـ الصلاح المتضمن لسعادة الدنيا والآخرة، وإن قصر العقل عن إدراك غايته وعاقبة أمره

ثانيا: وفي هذا الصلح المبارك ظهرت أهمية الشورى، ومكانة المرأة في الإسلام، وأهمية القدوة العملية في موقف واحد.

روى الإمام أحمد بسنده من طريق المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم - رضي الله عنهما - قصة صلح الحديبية في حديث طويل، ذكر فيه أنه لما تم الصلح بين النبي- صلى الله عليه وسلم - ومشركي قريش قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: (يا أيها الناس انحروا واحلقوا) قال: فما قام أحد، قال: ثم عاد بمثلها، فما قام رجل حتى عاد بمثلها، فما قام رجل، فرجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدخل على أم سلمة فقال: (يا أم سلمة! ما شأن الناس؟)

قالت: يا رسول الله قد دخلهم ما قد رأيت، فلا تكلمن منهم إنسانًا، واعمد إلى هديك حيث كان فانحره، واحلق فلو قد فعلت ذلك، فعل الناس ذلك، فخرج رسول الله- صلى الله عليه وسلم -لا يكلم أحدا حتى أتى هديه فنحره ثم جلس فحلق، فقام الناس ينحرون ويحلقون.

فكان رأي أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ رأيًا موفقا ومشورة مباركة، وفي ذلك دليل على استحسان مشاورة المرأة الفاضلة مادامت ذات فكر صائب ورأي سديد، كما أنه لا فرق في الإسلام بين أن تأتي المشورة من رجل أو امرأة، طالما أنها مشورة صائبة، فالشورى سلوك ينظم الحياة والأسرة في كل شؤونها، قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت