فهرس الكتاب

الصفحة 397 من 405

تعد قضية التحكيم من أخطر الموضوعات في تاريخ الخلافة الراشدة، وقد تاه فيها كثير من الكُتاب، وتخبط فيها آخرون وسطروها في كتبهم ومؤلفاتهم، وقد اعتمدوا على الروايات الضعيفة والموضوعة التي شوهت الصحابة الكرام وخصوصًا أبا موسى الأشعري الذي وصفوه بأنه كان أبله ضعيف الرأي مخدوعًا، ووصفوا عمرو بن العاص، رضي الله عنه، بأنه كان صاحب مكر وخداع.

وقد تلقاها الناس منهم بالقبول دون تمحيص لها وكأنها صحيحة لا مرية فيها؛ وقد يكون لصياغتها القصصية المثيرة وما زعم فيها من خداع ومكر أثر في اهتمام الناس بها وعناية المؤرخين بتدوينها. وليعلم أن كلامنا هذا ينصب على التفصيلات لا على أصل التحكيم حيث إن أصله حق لا شك فيه.

إن حياة أبى موسى، رضي الله عنه، منذ إسلامه قضاها في نشر الإسلام وتعليم الناس العلم، وخاصة القرآن الذي اشتهر بقراءته، والجهاد في سبيل الله والحرص عليه، والفصل في الخصومات، ونشر العدل وضبط الولايات عن طريق القضاء والإدارة، ولا شك أن هذه المهامّ صعبة وتحتاج إلى مهارات وصفات فريدة من العلم والفهم والفطنة والحذق والورع والزهد

وقد أخذ منها أبو موسى بنصيب وافر، فاعتمد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم الخلفاء الأربعة من بعده رضوان الله عليهم, فهل يتصور أن يثق رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خلفاؤه بعده برجل يمكن أن تجوز عليه مثل الخدعة التي ترويها قصة التحكيم؟!

إن اختيار أبى موسى -رضي الله عنه - حكمًا عن أهل العراق من قبل علىّ- رضي الله عنه - وأصحابه ينسجم تمامًا مع الأحداث، فالمرحلة التالية هي مرحلة الصلح وجمع كلمة المسلمين، وأبو موسى الأشعري كان من دعاة الصلح والسلام، كما كان في الوقت نفسه محبوبًا، مؤتمنًا من قبائل العراق، وقد ذكرت المصادر المتقدمة أن عليًا هو الذي اختار أبا موسى الأشعري، يقول خليفة في تاريخه:

ـ وفيها - سنة 37 هـ- اجتمع الحكمان: أبو موسى الأشعري من قبل علىّ، وعمرو بن العاص من قبل معاوية.

ويقول ابن سعد:

ـ فكره الناس الحرب وتداعوا على الصلح، وحكّموا الحكمين، فحكَّم علىٌّ أبا موسى، وحكّم معاويةُ عمرو بن العاص.

ولهذا يمكن القول إن الدور المنسوب للقراء في صفين من مسئولية وقف القتال والتحكيم، وفرض أبى موسى حكمًا ليست إلا فرية تاريخية اخترعها الإخباريون الشيعة الذين ما انقطعوا عن تزوير وتشويه تاريخ الإسلام بالروايات الباطلة, وكان يزعجهم أن يظهر علي رضي الله عنه بمظهر المتعاطف مع معاوية وأهل الشام

وأن يرغب في الصلح مع أعدائهم التقليديين ومن جهة أخرى يحملون المسئولية لأعدائهم الخوارج ويتخلصون منها, ويجعلون دعوى الخوارج تناقض نفسها, فهم الذين أجبروا عليًا على قبول التحكيم, وهم الذين ثاروا عليه بسبب قبول التحكيم.

كما أن شخصية عمروبن العاص رضي الله عنه الحقيقية أنه رجل مبادئ، غادر المدينة حين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت