معاوية ابن عمه، فامتنع علي.
إن معاوية رضي الله عنه كان من كتاب الوحي، و من أفاضل الصحابة، و أصدقهم لهجة، و أكثرهم حلمًا فكيف يعتقد أن يقاتل الخليفة الشرعي و يريق دماء المسلمين من أجل ملك زائل، و هو القائل: (والله لا أخير بين أمرين، بين الله و بين غيره إلا اخترت الله على ما سواه) سير أعلام النبلاء للذهبي (3/ 151 (
ويقول ابن حزم في هذا الصدد:
ـ بأن عليًا قاتل معاوية لامتناعه عن تنفيذ أوامره في جميع أرض الشام وهو الإمام الواجب طاعته ولم ينكر معاوية قط فضل علي واستحقاقه الخلافة لكن اجتهاده أداه إلى أن رأى تقديم أخذ القود من قتلة عثمان على البيعة
ورأى نفسه أحق بطلب دم عثمان والكلام فيه من أولاد عثمان وأولاد الحكم بن أبي العاص لسنه وقوته على الطلب بذلك، وأصاب في هذا وإنما أخطأ في تقديمه ذلك على البيعة فقط وفهم الخلاف على هذه الصورة -وهي صورته الحقيقية- بيَّن إلى أي مدى تخطئ الروايت السابقة عن التحكيم في تصوير قرار الحكمين.
إن الحكمين كانا مفوضين للحكم في الخلاف بين علي ومعاوية, ولم يكن الخلاف بينهما حول الخلافة ومن أحق بها منهما, وإنما كان حول توقيع القصاص على قتلة عثمان, وليس هذا من أمر الخلافة في شيء.
4 ـ إن الشروط التي يجب توافرها في الخليفة هي العدالة والعلم, والرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح وأن يكون قرشيًا وقد توافرت هذه الشروط في علي رضي الله عنه, فهل بيعته منعقدة أم لا؟
فإن كانت منعقدة -ولا شك في ذلك- وقد بايعه المهاجرون والأنصار؛ أهل الحل والعقد, وخصومه يقرون له بذلك, فقول معاوية السابق يدل عليه بأن(الإمام إذا لم يخل عن صفات الأئمة, فرام العاقدون له عقد الإمامة أن يخلعوه، لم يجدوا إلى ذلك سبيلًا باتفاق الأئمة
فإن عقد الإمام لازم، لا اختيار في حله من غير سبب يقتضيه, ولو تخير الرعايا في خلع إمام الخلق على حكم الإيثار والاختيار لما استتب للإمام طاعة ولما استمرت له قدرة واستطاعة ولما صح لمنصب الإمام معنى)
وإذن فليس الأمر بهذه الصورة التي تحكيها الروايات؛ كل من لم يرض بإمامه خلعه, فعقد الإمامة لا يحله إلا من عقده, وهم أهل الحل والعقد وبشرط إخلال الإمام بشروط الإمامة, وهل علي رضي الله عنه فعل ذلك واتفق أهل الحل والعقد على عزله عن الخلافة وهو الخليفة الراشد حتى يقال إن الحكمين اتفقا على ذلك, فما ظهر منه قط إلى أن مات رضي الله عنه شيء يوجب نقض بيعته, وما ظهر منه قط إلا العدل, والجد, والبر والتقوى والخير.
5 ـ إن الزمان الذي قام فيه التحكيم زمان فتنة, وحالة المسلمين مضطربة مع وجود خليفة لهم, فكيف تنتظم حالتهم مع عزل الخليفة, لاشك أن الأحوال ستزداد سوءًا, والصحابة الكرام أحذق وأعقل من أن يقدموا على هذا؟ ولهذا يتضح بطلان هذا الرأي عقلًا ونقلًا.
6 ـ إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حصر الخلافة في أهل الشورى: وهم الستة وقد رضي المهاجرون والأنصار بذلك, فكان ذلك إذنًا في أن الخلافة لا تعدو هؤلاء إلى غيرهم ما بقى منهم واحد ولم يبق منهم في زمان التحكيم إلا سعد بن أبي وقاص, وقد اعتزل الأمر ورغب عن الولاية, والإمارة, وعلي بن أبي طالب القائم بأمر الخلافة وهو أفضل الستة بعد عثمان فكيف يتخطى بالأمر إلى غيره .. ؟
7 ـ أوضحت الروايات أن أهل الشام بايعوا معاوية بعد التحكيم: والسؤال: ما المسوغ الذي جعل أهل الشام يبايعون معاوية؟ إن كان من أجل التحكيم, فالحكمان لم يتفقا ولم يكن ثمة مبرر آخر حتى ينسب عنهم ذلك, مع أن ابن عساكر نقل بسند رجاله ثقات عن سعيد بن عبد العزيز التنوخي, أعلم الناس بأمر الشام أنه قال:
ـ كان علي بالعراق يدعى أمير المؤمنين وكان معاوية بالشام يدعى الأمير, فلما مات علي دعي