وأنها أقامت حضارة عظيمة بها وشيدت المدن وعمرت شاطئ الفرات وأقامت عليه السدود وتحته الأنفاق، غير أنها تختلف اختلافا كليا في ذكر تفاصيل حياتها وكيف كانت نهايتها ..
فبينما تذكر المصادر العربية والتي اعتمدت اعتمادا كليا على الروايات الشفهية التي كانت تتناقل شفهيا قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم (لأن العرب وقتها كانت أمة أمية ولا يعرفون شيئا عن المصنفات العلمية)
وهذه بالطبع عرضة للتحريف والزيادة والنقصان وربما غزتها الأساطير ـ أقول تذكر تلك الروايات أنه كان يملك العرب بأرض الجزيرة ومشارف بلاد الشام رجل يسمى"عمرو بن ظرب بان حسان بن أذينة"فجمع رجل من ملوك العراق يسمى"جذيمة"جموعا كثيرة من العرب، فسار إليه يريد غزاته ..
وأقبل عمرو بن ظرب بجموعه من الشام فالتقوا فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل عمرو بن ظرب، وانفضت جموعه، وانصرف جذيمة بمن معه سالمين غانمين.
فملكت من بعد عمرو ابنته"الزباء"صاحبة قصتنا، وكان جنودها بقايا من العماليق والعرب العاربة الأولى، وأنه كان لها أخت يقال لها زبيبة فبنت لها قصرا حصينا على شاطئ الفرات الغربي، وكانت تشتو عند أختها وتربع ببطن النجار وتصير إلى تدمر
فلما أن استجمع لها أمرها واستحكم لها ملكها أجمعت لغزو جذيمة الأبرش تطلب بثأر أبيها، فقالت لها أختها زبيبة، وكانت ذات رأي ودهاء وإرب: يا زباء إنك إن غزوت جذيمة فإنما هو يوم له ما بعده، إن ظفرت أصبت ثأرك، وإن قتلت ذهب ملكك
والحرب سجال وعثراتها لا تستقال، وإن كعبك لم يزل ساميا على من ناوأك وساماك، ولم تري بؤسا ولا غيرا، ولا تدرين لمن تكون العاقبة، وعلى من تكون الدائرة، فقالت لها الزباء: قد أديت النصيحة، وأحسنت الروية، وإن الرأي ما رأيت، والقول ما قلت ..
فانصرفت عما كانت أجمعت عليه من غزو جذيمة، ورفضت ذلك، وأتت أمرها من وجوه الختل والخدع والمكر، فكتبت إلى جذيمة تدعوه إلى نفسها وملكها، وأن يصل بلاده ببلادها، وكان فيما كتبت به أنها لم تجد ملك النساء إلا إلى قبيح في السماع وضعف في السلطان وقلة ضبط المملكة، وإنها لم تجد لملكها موضعا ولا لنفسها كفئا غيرك، فأقبل إلي فأجمع ملكي إلى ملكك، وصل بلادي ببلادك، وتقلد أمري مع أمرك ..
فلما انتهى كتاب الزباء إلى جذيمة، وقدم عليه رسلها استخفه ما دعته إليه، ورغب فيما أطمعته فيه، وجمع إليه أهل الحجى والنهى من ثقات أصحابه وهو بالبقة من شاطئ الفرات، فعرض عليهم ما دعته إليه الزباء وعرضته عليه، واستشارهم في أمره، فأجمع رأيهم على أن يسير إليها، ويستولي على ملكها، وكان فيهم رجل يقال له: قصير بن سعد بن عمر بن جذيمة بن قيس
وكان أريبا حازما أثيرا عند جذيمة ناصحا، فخالفهم فيما أشاروا به عليه، وقال:
رأي فاتر، وغدر حاضر، فذهبت مثلا، فرادوه الكلام ونازعوه الرأي، فقال: إني لأرى أمرا ليس بالخسا ولا الزكا، فذهبت مثلا، وقال لجذيمة: اكتب إليها فإن كانت صادقة فلتقبل إليك، وإلا لم تمكنها من نفسك، ولم تقع في حبالها، وقد وترتها وقتلت أباها، فلم يوافق جذيمة ما أشار به عليه قصير.
فدعا جذيمة ابن أخته عمرو بن عدي فاستشاره فشجعه على المسير، وقال: إن نمارة قومي مع الزباء، ولو قدروا لصاروا معك فأطاعه وعصى قصيرا ...
واستخلف جذيمة عمرو بن عدي على ملكه وسلطانه، وجعل عمرو بن عبد الجن الجرمي معه على خيوله، وسار في وجوه أصحابه فأخذ على الفرات من الجانب الغربي، فلما نزل الفرضة استقبلته رسل الزباء بالهدايا والألطاف، فقال:
يا قصير كيف ترى؟ قال: خطر يسير في خطب كبير، فذهبت مثلا، وستلقاك الخيول، فإن سارت أمامك فإن المرأة صادقة، وإن أخذت جنبيك وأحاطت بك من خلفك فإن القوم غادرون، فاركب العصا (وكانت فرسا لجذيمة لا تجارى) فإني راكبها ومسايرك عليها، فلقيته الخيول