القرون الأُوَل، تنمو فيها الأقوال، وتُضْرَبُ فيها الأمثال، وتطرف بها الأندية إذا غصَّها الاحتفال، وتؤدِّي لنا شأن الخليقة كيف تقلَّبت بها الأحوال، واتَّسع للدول فيها النطاق والمجال، وعمروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال، وحان منهم الزوال. وفي باطنه (أي في باطن علم التاريخ للمتبحِّرِينَ) نظرٌ وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعِلْمٌ بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق؛ فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يُعَدَّ في علومها وخليق""
تعريف علم التاريخ
وقد جاء في تعريف علم التاريخ أنه:"معرفة أحوال الطوائف وبلدانهم، ورسومهم وعاداتهم، وصنائع أشخاصهم، وأنسابهم ووفَيَاتهم، إلى غير ذلك. وموضوعه أحوال الأشخاص الماضية من الأنبياء والأولياء والعلماء والحكماء والملوك والشعراء وغيرهم. والغرض منه الوقوف على الأحوال الماضية. وفائدته العِبرة بتلك الأحوال والتنصح بها، وحصول ملكة التجارب بالوقوف على تقلبات الزمن؛ ليحترز عن أمثال ما نقل من المضار، ويستجلب نظائرها من المنافع. وهذا العلم عمر آخر للناظرين، والانتفاع في مصره بمنافع تحصل للمسافرين"
علم التاريخ الإسلامي وتدوينه
أما علم التاريخ الإسلامي فقد اتَّصف بالأصالة والاستقلال؛ لنشوئه من داخل المجتمع الإسلامي تلبية لحاجات هذا المجتمع وأغراضه، ولم يكن التاريخ الإسلامي ظلاًّ لما عند الآخرين أو اقتباسًا لأعمالهم التاريخية وأفكارهم عنه. كما كان تلبية لشعور المؤرِّخِينَ الديني، ومُتَمِّمًا للعلوم الدينية، وكان التقويم الهجري الأساس الذي اتَّخذه التاريخ الإسلامي في تسجيل أحداثه وتحديد أزمانه
وقد كان العرب في جاهليتهم وأوائل الإسلام يحفظون التاريخ في ذاكرتهم، ولم يقوموا بتدوينه، ولم يكن ذلك لأنهم كانوا يجهلون الكتابة؛ ولكن لتحبيذهم الحفظ على الكتابة
إذ إنَّ مَلَكَةَ الكتابة لم تكن وقتذاك لتُعْطي صاحبها تفوُّقًا في المجتمع أكثر ممَّا تعطيه مَلَكَة الحفظ، فكان تاريخ العرب الأَوَّل - وهو عبارة عن وقائع وأيام وغزوات - محفوظًا في الذاكرة يُرَدِّدُونَه على ألسنتهم. ولكن بعد أن ابتعد العرب المسلمون عن بيئتهم، وتفَرَّقُوا في الأرض للفتح والغزو بين شعوب لا تَتَكَلَّمُ لغتهم، ضعفت ملكة الحفظ عندهم
وظهرت الحاجة إلى التدوين؛ ففي أواخر القرن الثاني الهجري كان المسلمون في حاجة مُلِحَّة إلى ضبط ونقل أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم والسِّيَرِ والأحوال؛ وكان هذا بداية تدوين التاريخ الإسلامي. وإن كان التدوين في التاريخ الإسلامي لم ينتشر إلاَّ حينما أَقْبَلَ أهلُ البلاد المفتوحة على الإسلام، وأقبلوا على تَعَلُّم العربية؛ حيث كانت حضارتهم السابقة تساعدهم على تذوُّق التاريخ، فكان معظم المؤرخين الأوائل في الإسلام هم المستعربين من العجم
ويمكن القول بأن الدراسات التاريخية الإسلامية قامت في البداية على سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وأخبار غزواته ومن اشترك فيها من الصحابة، وأخبار هجرة المسلمين الأوائل إلى الحبشة ثم إلى المدينة المنورة
وكانت مكة والمدينة المركز الرئيسي لنشاط هذه الحركة التاريخية. وكان المؤرخون يعتمدون على الروايات الشفهية كما كان يفعل المحدِّثون؛ مما يدل على أن التاريخ الإسلامي سلك في بدايته الطريقة نفسها التي سلكها علم الحديث؛ فكان الخبر التاريخي على هذا النحو يتألف من رواة الخبر على التتالي، وهو ما يُعرف بالسند أو الإسناد، ثم نَصّ الخبر ويسمى المتن. وبهذا تعدّ كتب المغازي والسيرة أقدم الكتب التاريخية التي تجمع بين الحديث والتاريخ، وكان سبب الاهتمام فيها هو اهتمام المسلمين بأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وأفعاله؛ للاهتداء بها والاعتماد عليها.
أساليب تدوين التاريخ الإسلامي وأشهر الإخباريين
وقد ظهر بذلك أسلوبان في تدوين التاريخ عند المسلمين؛ الأوَّل: هو أسلوب المحدِّثِينَ الذي ظهر واضحًا في تاريخ السيرة النبوية التي نشأت في المدينة المنورة، وتميَّز أسلوبها بذِكْرِ الخبر مع إسناده. أمَّا الأسلوب الثاني: فهو أسلوب الإخباريين الذي تميَّز بإعطاء صورة كاملة