فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 405

أما (نابليون) فلا يزيد عن ضارب مدفعية محترف استخدم ببراعة سطوة النيران لتحطيم خصومه، ويشبهه في هذا (موسوليني) .

ومنذ عام 1933 م بدأ هتلر يتقمصه (شيطان القوة) وبقدر مظاهر التملق والخضوع من الحاشية المحيطة به بقدر ما استولى عليه الشعور أنه القائد الملهم الأبدي المعصوم الذي سيحكم الرايخ الثالث لألف سنة قادمة.

هكذا كان يزعق في الجماهير يومًا. ولكن صراخ الرجل كانت عند خليفته (أدولف هيس) موسيقى سماوية و (ميلوديا درامية) تأتي من السماء فتنير وتهدي ومنبعًا للطاقة يكهرب إرادة الجموع. كما وصفه في مذكراته الأخيرة في سجن برلين قبل أن يموت

وبقدر كذب الحاشية وتملقها يسقط القادة في قبضة شعور أنهم خير من وطأت أقدامهم البرية وأن جبلتهم مصنوعة من طينة الإله.

هكذا كانت وظيفة الكهنة منذ أيام فرعون وسومر ولم تتغير كثيرا، ضمن التحالف الاستراتيجي بين (الجبت والطاغوت) وأنه مبرر لهم التصرف حيث لا يقدر الآخرون ولا يتجرأون. ولكن عندما تختزل الأمة في فرد لا يبقى أمة. وكما يقول اللورد (أكتون) أن القليل من السلطة يعني القليل من الفساد أما السلطة المطلقة فهي مساوية للفساد المطبق.

(ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر مايشاء) بعد أشهر من وضع (هتلر) يده على مفاتيح القوة تغيرت تصرفاته كليًا وبدأ يقع تحت سيطرة فكرة أن (العناية الإلهية) أرسلته لإنقاذ الشعب الألماني.

يقول (مالك بن نبي) عن هذا الشعور أن الشعوب تقع تحت سحر من هذا النوع في الأزمات التاريخية فتوظفها قيادات ذكية وخبيثة لحسابها، وتتحرك الجماهير العمياء تحت أحد شعورين (الإنقاذ) أو (روح الرسالة) .

ولكن هتلر غرق في اليم وهو مليم ومعه رؤوس النظام النازي إما بجرعة سيانيد أو على حبل المشنقة في نورمبرغ.

غرق هتلر وجنوده أجمعون كما غرق فرعون من قبل لأنه كان بكل بساطة لا يحمل في يده عصا النبوة بل كان يلوح بالصليب المعقوف فأضحى سلفًا ومثلًا للآخرين. إن هذه (الحلاوة) المسكرة من الثناء والتبجيل والكذب لا يستطيع الحكام ـ وهم من البشر ـ أن ينجوا من سحرها، فلا تسكر النفس بخمر كالثناء.

وكان هتلر ينظر إلى كل من حوله مثل جحا الذي كان يقف على رأس جبل فيقول في نفسه: لم أكن أتصور الناس صغارًا بهذا الحجم، بفارق أن هتلر كان يحدق من جبال بيرشتسغادن

(عش النسر) في جبال النمسا.

وفي النهاية بدأ هتلر يستخف بكل من سبقه وحتى (بسمارك) لم يعد أمامه شيئا مذكورا.

لقد كان هتلر يتجرع أفيون القوة بدون توقف. ومع كل إدمان يزداد مقدار الجرعة كما هو حاصل في عالم الإدمان، ليستفحل المرض ويزداد.

وفي قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا. وفي النهاية أحاطت بهتلر خطيئته بعدما سقط في حبال المرض المشؤوم (الشعور بالقداسة والعصمة) فكان يتحدث لمن حوله كالرسول للاتباع أو الإله الذي يوحي بأمره مايشاء.

وفي وصيته التي كتبها قبل إقدامه على الانتحار يتبدى ذلك الشعور أنه هو الأعلى وأنه لم يخطيء. وعندما قابله وزير التخطيط البرت شبير (Speer) في الأيام الأخيرة قبل انهيار الرايخ Reich )) أصدر تعليماته بتدمير ألمانيا الكامل بصورة انتحار جماعية فلا يستحق الشعب الألماني الحياة بعده.

كان الشعب الألماني من وجهة نظره قد اختزل في شخصه. ولكن لماذا تغرق سفن اجتماعية من هذا النوع؟ قام يورج فيرتجنس (Joerg Bernstein) من شركة (شنابس بيرشتاين) في برنامج تدريبي لمدة ثلاث سنوات لدراسة هذه الظاهرة المرضية في علاقات القوة فوصل إلى ثلاث نتائج مذهلة: ثلث القياديين على الأقل الذين يقفزون إلى منصات القرار هم من النوع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت