فهرس الكتاب

الصفحة 117 من 330

- {فَإِنْ تَابُوا} هذه العبارة تعطي المسلمين مساحة من الصبر على اللأواء [1] والشدة من جراء دعوة المشركين إلى دين الله تعالى، لأن توبة المشركين ستكون نتيجة جهد الدعاة وصبر المجاهدين الذين تحلوا بالصبر واتخذوا الجهاد سبيلا لنصرة دينهم.

-المشرك الذي يدخل هذا الدين يحتاج إلى فترة زمنية ليتعلم الصلاة، لذا يجب أن يتبع هذا الجهد جهد تربوي وأخلاقي.

-يقول البقاعي: (لما قرر أمر البراءة إثباتا ونفيا، أمر بما يصنع ما ضربه لهم من الأجل، إذا انقضى ومضى وقت الأشهر الحرم، فاقتلوا الناكثين بعد أجل الإحسان والكرم، بأي طريقة تتمكنون من غِرَّة [2] أو اغتيال) [3] .

-رغم كون المشركين خارج الرحمة الربانية بإعلان البراءة منهم، ورغم هذه الصورة القاسية وما فيها من قتل وأخذ وحصار وتضييق السبل عليهم، إلا أن الله المتصف بتمام القوة والعظمة وكمال العلم، أيضا متصف بكمال التوبة والرحمة والمغفرة، فترك الباب مفتوحا للمشركين لتكون لهم فرصة دخول الإسلام، ليعلم المؤمنون عظم فضل الله تعالى عليهم وعلى الناس.

-كيف يتقرب المؤمن إلى ربه بقتل الكافر، حتى تصبح توبته الصادقة مشروع قربى لله، إنه السر العجيب في قوله تعالى: {فِإِْن تَابُواَ} لتحول العدو الحقود إلى صديق سمح ودود.

-إنها التربية التي تجعل كل من يدخل في الإسلام صادقا، أن يلقى كلَّ ما على ظهره من عفن الجاهلية، ويخلع ثوب الوثنية بالتبرؤ من كل هذا، التربية التي تقرب ولا تبعد، تبشر ولا تنفر، (رغم الحرب المعلنة على المشركين كافة بعد انسلاخ الأشهر الحرم، يظل الإسلام على سماحته وجديته وواقعيته بعثة هداية، وليست حرب إبادة على المشركين) [4] .

الآية الثانية: {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} (التوبة:7) .

تناولت هذه الآية الكريمة أمورا تربوية غايةً في الأهمية:

أولا: تعلم الأمة قضية الثوابت وأهميتها، وأنه لا يجوز التنازل أو التهاون في ثوابت الأمة من خلال المحافظة على دينه ونفسه وعرضه وكرامته وأرضه وماله' فالمسلم محفوظ عند الله بثوابته وكرامته، فهذه الثوابت ليس موضوع نقاش.

ثانيا: جاء الاستفهام الاستنكاري ليفيد استبعاد [5] ، أن يكون للمشركين بعد ذلك عهد عند الله وعند رسوله، وكذلك المؤمنين، بل ولينهي أية حالة من التعاقد مع المشركين، يقول البقاعي:

(1) اللأي: الجهد والشدة والحاجة، انظر: لسان اللسان لابن منظور، ج/2، ص/490.

(2) غِرَّة: أتيته على غِرَّةٍ: أي على غفلة، وأتانا على غِرَارٍ: إي على عجلة، انظر: لسان اللسان لابن منظور: ج/2، ص/261.

(3) نظم الدرر للبقاعي: ج/3، ص/ 271، بتصرف.

(4) في ظلال القرآن لسيد قطب: ج/3، ص/1602.

(5) إعراب القرآن الكريم لمحيي الدين الدرويش: ج/3، ص/ 184.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت