وأما المتغيرات فهي متحركة فرعية في المنهج لا في المبدأ، تتغير بتغير الزمان والمكان حسب حاجات الأشخاص بما لا يخالف الثوابت، هذه المتغيرات لها ضوابط تخضع إلى تقدير المجتهدين بالأدلة، وقابلة للحوار والنقاش، دون المساس بالثوابت والأصول.
لذلك نصَّت الشريعة على نصوصٍ ثابتة ليكون الجهاد شعارًا وراية ورمزًا لنشر هذا الدين الحنيف واستردادًا للحقوق ودفعًا للظالمين والمعتدين. فلا بد من التركيز على فقه الجهاد وثوابته، وتحديدًا في هذه الأيام التي أراد فيها الكثير من المتخاذلين أن يجعلوا ثوابت الأمة متغيرات، في الوقت الذي استبيحت فيه بيضة المسلمين، وانتهكت أعراضهم وسفكت دماؤهم، وتجرعوا من مرارة القلة والذلة وآلام الجراح المثخنة الكثير.
إن أول هذه الثوابت وأهمها الجهاد الذي عليه تقوم أسس الدولة الحرة صاحبة السيادة، لتكون مهابة الجانب، ليعبد الله وحده وتكون كلمته هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، لذلك يقف العالم الكافر ومعه كل المنافقين في هذا العصر، بكل ما يملك من قوة مادية ومعنوية وعقدية وإعلامية وثقافية، واقتصادية وعسكرية، في مواجهة هذا الدين ورجاله وذروة سنامة، محاولين انتهاز أية فرصة للقضاء عليه، قال الله تعالى: {كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونََ} (التوبة:8) ، لذا لم يوكل الله تعالى الجهاد لأحدٍ ليحافظ عليه، بل أوكل حفظه لنفسه، فصار جزءا من عقيدتنا وكتابنا.
إن الجهاد فريضة حاضرة إلى قيام الساعة، فآخر ما نزل من القرآن سورة التوبة التي فيها آيات الجهاد والمقاومة، مع إعطاء الدعوة مساحة واسعة ليدخل الناس في دين الله تعالى فقال: {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (التوبة:5) ، إنها ديمومة الرحمة والهداية، باستمرار الجهاد ودعوة المشركين الذين يحتاجون دوما للهداية، فإن توفرت أسباب التوبة تنحى السيف جانبا، يقول سيد قطب: (رغم حرب الإبادة التي شنها المشركون ضد المسلمين، يفتح لهم طريق الهداية، بل ويأمر نبيه والمسلمين أن يكفوا أيديهم عنهم، إن هم اختاروا طريق التوبة، والتزموا شعائر الإسلام التي تدل على اعتناقهم إياه) [1] ، مما يعني انتفاء حاجة المسلمين للجهاد إن أسلم هؤلاء الناس.
وقال تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} (النوبة:29) ، فالذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله وجب فيهم الجهاد لأنهم يخالفون الفطرة التي فطر الله الناس عليها.
(1) في ظلال القرآن سيد قطب: ج/3، ص/1602 باختصار.