فهرس الكتاب

الصفحة 167 من 330

يخوض المسلمون معركة تباغت العدو في زمن قصير وتحدث لديه المفاجأة بسرعة النصر، مما يخفف من وطأة الحرب، ليكون لدي العدو الاستعداد على الاستسلام، وتكون لديهم فرصة استقبال دعوة الله تعالى لهدايتهم وفرصة التوبة والإنابة.

كل هذه الأمور تحتاج إلى فترة زمنية يتربى فيها المجاهد على كيفية التعامل مع المحاربين والأسرى، بعزة وكرامة أثناء القتال، وتؤدة واطمئنان، واثق بنصر ربه، يسعى لأحدى الحسنيين، دون أن يعطي الدنية في دين الله تعالى لعدو مهما بلغت قوته، هذا العدو اللدود، بعداوته التي تضرب أطنابها بين جموع كفرهم، تواجه بصورة مشرقة للتربية الإسلامية في قلوب المؤمنين، التي تحول العدو إلى أخ وصديق، من خلال المعاملة المباشرة لهداية هذا العدو الكافر ليكون مسلما جديدًا؟ إنه المشروع الأثمن لدخول الجنة، لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - لعلي - رضي الله عنه - (أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدًا خيرٌ لك من حُمْرُ النَّعَم) [1] . لتبدأ مرحلة الأخوة الإيمانية عند قوله {فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةٌَ} (التوبة:5) ، لتبدأ الأخوة التي تعني المحبة والرحمة والرأفة والصداقة، بدأت هذه الرحلة مع هذا المسلم الجديد طريقها إلى قلبه، حتى ولو أعلن إيمانه كاذبا، إنه السر الإلهي في الإعجاز التربوي، في تكوين العلاقات المبنية على أسس من المحبة والإخاء والتعاون والوفاء، فما هذا السر العجيب الذي يحول القلوب الجاحدة إلى مؤمنة؟ ثم يمنُّ عليهم بالتوبة، إنه فضل الله يؤتيه من يشاء.

بقول سيد قطب: (إنه الأخذ بعد الإنذار، والنبذ بعد الإعلام وبدا منهم غدر اللئام، غير أنها لم تكن حملة إبادة أو انتقام، إنما حملة إنذار ودفع للإسلام، لقد آذوا المسلمين وفتنوهم عن دينهم، من حرب للمسلمين وتأليب على دولتهم؛ إلى سماحة وعفو، ومن فتنة وحرب وتشريد وقتل؛ إلى الكف عنهم إذا اختاروا التوبة والإسلام، ليظل الإسلام على جديته وسماحته وواقعيته وعفوه، إنها حملة هداية ورحمة) [2] ، ويقول رحمه الله تعالى: (إن هذا الدين إعلام لمن لا يعلم، وإيجار لمن يستجير، ويقابل حامل السيف بفرصة العفو حتى يسمع كلام الله، يأمن الناس في كنفه، يحرسهم ويكفلهم، حتى يبلغوا مأمنهم، حتى وهم يرفضون منهج الله) [3] .

الآية الثانية: قول الله تعالى: {أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ} (التوبة:13) ،

(1) صحيح البخاري: ك/فضائل أصحاب النبي، ب/مناقب علي - رضي الله عنه -، ج/2، ص/743، ح/3701.

(2) في ظلال القرآن لسيد قطب: ج/3، ص/1601 - 1602 باختصار وتصرف

(3) المصدر السابق: ص/1603 باختصار وتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت