إن الفطرة الإنسانية تدعو إلى رد العدوان ودفع الأذى، ومنع كل من يحاول إخراج صاحب حق من حقه، وعملا بالمثل القائل: (البادي بالكرم أكرم، والبادي بالظلم أظلم) [1] .
فمن المُسَلَّمِ به أن يركن الضعيف إلى الأقوى، وأن يبتغي طالب العزة من العزيز الكريم، وأن يستنصر المغلوب من الناصر على النصر، فالله أمرنا أن نخشاه لأنه الله جل في علاه، وأن الخشية من الناس تولد أمورا لا تحمد عقباها.
الآية الثالثة: قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} (التوبة:73) ،
في هذه الآية أمران، أمر بالمجاهدة، وأمر بالغلظة [2] ،
والسؤال الذي يطرح نفسه، ألا يوجد في الجهاد غلظة؟ غلظة ناتجة عن الطعن، وكثرة الجراح، وفصل الرؤوس عن الرقاب، ألا يوجد في ذلك غلظة وغلظة شديدة؟
-إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مطبوع بالرفق واللين والسماحة، وهكذا يجب أن يكون المسلم الذي اتخذ من النبي - صلى الله عليه وسلم - قدوة، فيكون الخطاب بالمؤمنين أولى، لأنه - صلى الله عليه وسلم - مجاهد في سبيل الله منذ أن بعثه الله تعالى، ولأن الغلظة ليست من طبعه - صلى الله عليه وسلم -، فكان الأمر بها أمرا ضروريا، ليسرع الرسول - صلى الله عليه وسلم - في معالجة العضو الفاسد بالبتر، سلامة للأمة من الفساد العام الذي قد يهددها.
-في الآية بدأ الأمر بجهاد الكفار وثنَّى بالمنافقين، وفي قوله تعالى: {وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} (التوبة:68) ، بدأ وعيده بالمنافقين وثنَّى بالكافرين، ليعلم المؤمن خطورة الكفر المعلن والظاهر، وليكن شديد الحذر من المنافقين لإظهارهم الإسلام وإخفائهم الكفر، يقول البقاعي: (فقدم في كل سياق الأليق) [3] . لتظهر حقيقة الفريقين وليطمئن العبد بنصر ربه، من أهم الدروس التربوية ومن أعظم الهدايات الربانية في الآية، يقول البقاعي: (فإنك ظاهر عليهم وقاهر لهم وهم طعام السيف وطوع العصا) [4] .
-ويقول القرطبي: (الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - وتدخل فيه أمته من بعده، قيل: المراد جاهد بالمؤمنين الكفار، وقال ابن عباس: أمر بالجهاد مع الكفار بالسيف، ومع المنافقين بالسنان وشدة الزجر والتغليظ) [5] . فلا بد من مجاهدة من وضعهم الله في سلة واحدة، وخاصة ممن يكونون على اتصال في أرض المعركة، وفضح المنافقين وبيان سوء طبعهم، وخبث سريرتهم، (فقد لاينهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كثيرا، وأغضى وصفح كثيرا، وقد بلغ الحلم غايته، والسماحة أجلها،
(1) معجم الأمثال الفلسطينية، لحسين على لوباني: ص/190، مكتبة لبنان/ بيروت، ط/1999 م.
(2) الغلظة: الشدة، ك/العين للفراهيدي: ج/3،ص/ 287، والفظاظة: نقيض الرأفة وخشونة الجانب، المختار الصحاح للرازي ص/200.
(3) نظم الدرر للبقاعي: ج/3، ص/ 360.
(4) المصدر السابق: ص/360.
(5) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ج/5، ص/195.