فهرس الكتاب

الصفحة 191 من 330

ولنفاقهم وصال، (ولا شك أن ضرر المنافقين أشد من ضرر الكفار؛ لدخولهم بين المسلمين، يتعلمون أسرارهم، ويُشَيِّعُونَهَا لأعدائهم كاليهود، وغيرهم) [1] .

فالمنافقون لا يستقيم لهم حال، ولا يهدأ لهم بال، ولا يطمئن لهم قرار، بسبب اضطراب نفوسهم وكثرة ترددهم، وريبهم المتواصل بالمؤمنين، وبالتالي فإنهم يسعون للاستنصار بعدوٍ؛ استقواءً به على المسلمين، أيا كان هذا العدو، المهم أن يكون العدو أقرب، والخطر المباشر، والأشد على المسلمين، هذه سنتهم في كل زمان ومكان، وبما أن اليهود وعلى مدار التاريخ كانوا الخطر المباشر على المسلمين بعد الوثنية، والتي تمثلت في قريش، فباتوا الخطر المحدق بالمؤمنين، من خلال مؤامراتهم وكثرة دسائسهم المتواصلة، ونقضهم للعهود، ونكثهم للأيمان، وعدوانهم المتواصل على المسلمين، وبما أن المنافقين تلك صفاتهم، فقد اجتمعت صفاتهم في قلوبهم قبل أبدانهم للتآمر.

يقول سيد قطب: إن طبيعة العلاقة بين منهج الله ومناهج الجاهلية قائمة على المواجهة بمختلف مسمياتها بحركة مكافئة ... لتكون العلاقة معهم من خلال المعطيات التالية:"شرك، كفر، نفاق"ثم ينطلق من هذه الوقائع حكما نهائيا، لتحديد هذه العلاقة [2] . وبما أن المنافقين ضمن دائرة هذه المعطيات الخفية، فعلاقتهم مع أهل الكتاب قائمة على الأمور التالية:

أولا: الكفر بالله: لقد بينت سورة التوبة نوعية العلاقة الخفية بين المنافقين وأهل الكتاب، من خلال تشابهٍ في صفاتهم الكثيرة، قال الله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} (التوبة:29) ، لهذه الأسباب؛ أوجب الله قتال أهل الكتاب، لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرَّم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق، ويضاهئون [3] قول الذين كفروا من قبل، فما الذي يجمع المنافقين بأهل الكتاب. إن هذه الصفات الأربع تمثلها المنافقون واقعا ملموسا، قال تعالى: {إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} (التوبة:45) . فالمنافقون لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، لا يدينون دين الحق بولائهم غير المشروع مع أهل الكتاب، والعلاقات الحميمة، والاستنصار بهم على المسلمين، قال الله فيهم: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ} (التوبة:63) ، يقول الرازي في معنى المحاددة: (المجانبة والمعاداة والمخالفة، واشتقاقه من الحد، ومعنى {يُحَادِدِ اللّهَ} أي يصير في حد غير حد أولياء الله بالمخالفة، ثم للمفسرين ههنا عبارات: يخالف الله، يحارب الله، يعاند

(1) أحسن القصص لعلى فكري: ج/2، ص/247، مكتبة عيسى البابي الحلبي وأولاده/ القاهرة، لا يوجد رقم للطبعة، إيداع /1970 م.

(2) في ظلال القرآن لسيد قطب: ج/3، ص/ 1620 - 1621 بتصرف.

(3) المضاهاة: المشاكلة: لسان اللسان لابن منظور: ج/2،ص/74، يضاهئون: يقولون مثل قولهم: ك/العين للفراهيدي: ج/3، ص/29.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت