لقد قطعتم بضحككم واستهزائكم، وتخلفكم عن الجهاد، ونفاقكم، كل أواصر العلاقة مع المسلمين، فلا يمكن أن يكون لشخوصكم المتقلبة أية قيمة، ولن يكون لكثرة أموالكم وأولادكم التي غرَّتْكُم سبب للصلاة عليكم، ولن يعمل لكم ولا إلى من خلفكم أي اعتبار لدى المؤمنين، وخاصة أنكم خذلتم بها المؤمنين وجهادِهم، فأموالكم وأولادكم نتاج أعمالكم الخبيثة، وتبع لرجسكم، فلا يمكن النظر فيها مهما عظمت، حتى وإن صرفتموها، فإنكم صرفتموها بهرجة ووجاهة، أو أنفقتموها رياءً وسمعة، يقول الطبري: (ولا تعجبك يا محمد أموال هؤلاء المنافقين وأولادهم فتصلي على أحدهم إذا مات وتقوم على قبره من أجل كثرة ماله وولده، فإني إنما أعطيته ما أعطيته من ذلك لأعذبه بها في الدنيا بالغموم والهموم، بما ألزمه فيها من المؤن والنفقات والزكوات وبما ينوبه فيها من الرزايا والمصيبات) [1] .
لقد فضح الله استئذانهم بقعودهم مع العجزة والضعفاء، وهم الذين يملكون أسباب الجهاد، يقول سيد قطب: (فإذا أنزلت سورة تأمر بالجهاد، جاء الذين يملكون وسائل الجهاد والبذل، لا ليتقدموا الصفوف كما تقتضي الضرورة والمقدرة؛ ولكن ليتخاذلوا ويكونوا مع النساء .. دون أن يستشعروا ذلة القعود وهوان السلامة التي يطلبون من خلالها الدنية) [2] ، فلو كانوا يعقلون ما آثروا ذل الدنيا، وعذاب الآخرة، على ما أعد الله للمؤمنين في الآخرة.
الصورة الحادية عشر: أهل الرجس والجهالة: {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ. أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ. وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُوا صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون} (التوبة:124 - 127) ،
الصورة الأخيرة من صور المنافقين، صورة الاستهزاء المبطن من كتاب الله وآياته، صورة الوجوه المقيتة المتشائمة والمشمئزة من كتاب الله وآياته، صورة القلوب المريضة والمضطربة التي صَرَفَتْ وجوهها عن كتاب الله وسماع آياته، فصرفها الله عن الإيمان به وطاعته، إنها صورة الجهالة المتأصلة فيهم، يقول سيد قطب: (من خلال استحضار تغامزهم غمز المريب، وهم يتسللون تسلل الخائن الحذر، تلاحقهم عين الذي لا يغفل ولا ينام، وهم منصرفون من عند رسول - صلى الله عليه وسلم -) [3] . هذا السلوك الغريب يقابل بجميل عفو الله، بترك باب رحمته مفتوحا للجميع، مذكرا إياهم بالابتلاءات مرة أو مرتين في العام، علَّهُم يتوبون، إلا إن المنافقين المستكبرون بجهلهم وجحود نفوسهم ونكرانها لآيات الله تعالى، تزيدهم رجسا إلى رجسهم، لقد تمَّ
(1) جامع البيان للطبري: ج/10، ص/142 - 143 باختصار
(2) في ظلال القرآن لسيد قطب ج/3، ص/1684.بتصرف.
(3) في ظلال القرآن لسيد قطب: ج/3، ص/1742 باختصار.