الصورة العاشرة: حب المال وإيثاره على كل شيء: {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ وَكَرِهُوا أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَالُوا لاَ تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ*فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاء بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ*فَإِن رَّجَعَكَ اللّهُ إِلَى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ*وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ*وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ*وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَاعِدِينَ*رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ} (التوبة:81 - 87) .
إنها الفضائح المتتالية، بتخلفهم فرحا لمقعدهم خلاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يكتف بذلك فحسب، بل كشف مستور قلوبهم ومكنون صدورهم بكراهيتهم للجهاد، وسعيهم المتواصل بالتخذيل والإرجاف للوقيعة بين المسلمين، ومن ثم يبين حقيقةً ينكرونها في أنفسهم، ألا وهي الجهل وعدم إدراكهم لحقائق الحياة وسننها، فقدموا الأموال والأولاد والنفس على الله ورسوله، وقدموا الدنيا على الآخرة، إنه الفرح المقطوع لديهم ببهرجة الدنيا وزخرفها وغرورها، لذا وصفهم الله تعالى في أول المقطع: {لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} وفي آخر المقطع: {فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ} . فإصرارهم على الجهالة والاستهزاء والصلف والغرور، يقابل بتحذيرهم وتهديدهم؛ بأن ضحكهم واستهزاءهم ما هو إلا قليلً، أمام العذاب الشديد، الذي ينتظرهم، جزاء ما كسبوا في الدنيا، من معاداة لله ورسوله، وضحك واستهزاء بالمؤمنين، وتخلف وقعود عن الجهاد، عندها ستكون الحسرة والندامة علامتهم التي لن تجدي نفعا، يقول الطبري: (فرح هؤلاء المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، في هذه الدنيا الفانية ولهوهم عن طاعة ربهم، سيبكون طويلا في جهنم مكان ضحكهم القليل في الدنيا، جزاءً على معصيتهم، وتركهم النفر إذ استنفروا إلى عدوهم وقعودهم في منازلهم خلاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وبما كانوا يجترحون من الذنوب) [1] .
لقد، (فقدتم حقكم في شرف الخروج، وشرف الانتظام في الكتيبة، والجهاد عبء لا ينهض به إلا من هم له أهل، فلا سماحة في هذا ولا مجاملة) [2] ، فلا يعقل أن يجد المجاهدون القتل والجراح والظمأ والنصب والمخمصة، وأنتم في دعة ورغد من العيش، فليس لكم أيها المستهزئون إلا الإهانة والطرد، لتكون الإهانة أشد بنهي الاستغفار لكم، فمن لم يشارك المؤمنين جهدهم وجراحهم، ليس له مكان في مشاركتهم أفراحهم ونصرهم.
(1) جامع البيان للطبري: ج/10، ص/139.
(2) في ظلال القرآن لسيد قطب: ج/3، ص/1683.