إنها صورتهم الكفرية المتعددة، في ثيابهم المتلونة، بطول ألسنتهم، وقلة أدبهم، وفَضْحُهُم بما أرادوا ولم ينالوا من انتقامهم بشيء، إنها صورتهم السوداء، وحقدهم الأعمى، الذي بين الله تعالى بعض فصولها؛ أتريدون الانتقام ممن كان سببا في غناكم وثرائكم، ومع ذلك ما أعظم فضل الله تعالى، يترك باب التوبة مفتوحا أمام من أراد الانتقام من رسول الهدى - صلى الله عليه وسلم -، يترك باب التوبة لهؤلاء الحاقدين الحاسدين، يعطيهم الفرصة تلو الأخرى، حتى الرمق الأخير، فإن تابوا فهو خيرٌ لهم وإن تولوا فليس لهم في الآخرة إلا أليم العذاب، وشديد العقاب، وهوان الذلة والصَغَار، يقول سيد قطب: (سيظل باب التوبة مفتوحا على مصراعيه، فمن شاء لنفسه الخير فليدلف، ومن أراد عكسه، فالعذاب الأليم في الآخرة، وانعدام الناصر والمعين في الدنيا، ولمن شاء أن يختار، وهو وحده الملوم) [1] .
الصورة التاسعة: السخرية بالمؤمنين: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ* اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} (التوبة:79 - 80) .
إنها الطبيعة المتأصلة فيهم، الكبر والاحتقار والاستهزاء، إنه الحقد المدفون لكل خير، والمكنون في صدورهم، يظهرونه متى لاحت الفرصة المناسبة وغير المناسبة للطعن في المسلمين، من خلال اتهام المكثرين: بالرياءً، واحتقار جهد المقلين، إنه الطعن المتواصل في المؤمنين، وسخريتهم التي قابلها الله بسخرية تليق بعظمته وكبريائه، وبما يستحقون، يقول سيد قطب: (ويالهولها من سخرية وعاقبة، فمن شرذمة صغيرة هزيلة مريضة النفس، وسخرية الخالق الجبار تنصب عليهم وعذابه يترقبهم) [2] ، إنه شأنهم وعادتهم، (ومن نقائص هؤلاء المنافقين مع بخلهم أنهم يعيبون على الموسرين من المؤمنين تصدقهم على المحتاجين، ويسخرون بغير الموسرين من المؤمنين لتصدقهم مع قلة أموالهم وقد جازاهم الله على سخريتهم بما كشف من فضائحهم، وجعلهم سخرية للناس أجمعين ولهم في الآخرة عذاب شديد) [3] ، ولسوء فعالهم وتوضيحا لصورتهم الخبيثة، نهى الله عن الاستغفار لهم، وسواء كثر استغفار الرسول - صلى الله عليه وسلم - لهم، أو لم يستغفر، فلن يغفر الله لهم؛ لسوء طويتهم، وخبث سريرتهم وسوء أعمالهم وطغيانهم وجبروتهم، وتمردهم على شرعه ودينه، لذلك لا أمل لهم في توبة الله، فمن ساء عمله وخبثت سريرته ونيته، ختم على قلبه، فلا تنفعه شفاعة الشافعين، ولا دعاء المقربين ولو كان سيد المرسلين، وبالتالي لا يليق من مأواه جهنم أن يُسْتَغْفَرَ له.
(1) في ظلال القرآن لسيد قطب: ص/1678 باختصار.
(2) في ظلال القرآن لسيد قطب: ج/3، ص/1681 باختصار وتصرف.
(3) المنتخب في تفسير القرآن الكريم: ص/273.