فهرس الكتاب

الصفحة 198 من 330

الغريب في المجتمع المسلم، (والصنف الدخيل الذين يثير الفتن ويفرق الصفوف ويثبط العزائم، إنهم المرجفون في المدينة، الطابور الخامس في كل مدينة، المتواجدون في كل زمان لتأجيج نار العداوة بين المسلمين) [1] ، بأراجيفهم التي لا تنفك عن أذية العباد، كيف لا؟ وهم الذين آذوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالاستهزاء، وما زالوا على نفس النهج بما تمَّ وصفهم به، يقول الرازي: (واعلم أنهم كانوا يسمون سورة براءة، الحافرة، حفرت عن قلوب المنافقين) [2] ، لقد تجاوزا حدود الأدب بحذرهم بعد استهزائهم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ينزل الله قرآنا يتلى فيهم، يقول الرازي: (حذر المنافق كان على وجه الاستهزاء، لأنهم يُكَذِّبُونَ بالوحي، ولأن الله أطلع رسولَهُ - صلى الله عليه وسلم - على مكنون صدورهم، والرسول - صلى الله عليه وسلم - يذكر كل شيء عنهم، فوقع حذر الخوف في قلوبهم، بسبب شكِّهم، وحسدهم، وشديد عنادهم، رغم علمهم بصدقه - صلى الله عليه وسلم -، لذا فالأجدر بهم أن يحذروا، ليكون معنى الحذر التهديد،) [3] ، ومع ذلك، ورغم كل الشواهد التي تبين صدق نبوته - صلى الله عليه وسلم -، وكذب ادعاءاتهم وافتراءاتهم، يستهزئون، فكان استهزائهم الكفر البواح الذي لا يحتاج إلى اعتذار، {لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} (التوبة:65) ، ويتعدون ذلك بالإيذاء بشتى أنواعه وصنوفه، ليتجاوزوه إلى القتل والإهانات والعذابات والتغييب، كما كان يفعل بنو إسرائيل بأنبيائهم، وما يفعل المنافقون وما زالوا في كثير من بلاد المسلمين، وخصوصا قتل العلماء، أو تعذيبهم، أو تغييبهم في سجون منْ يُعْرَفُونَ ومنْ لا يُعْرَفُون، وما علموا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن حملَ هَدْيَهُ وسُنَّتَهُ؛ كانوا سببًا في هداية الكثيرٍ منهم، بدعوتهم لدين الله تعالى، فإن استجابوا كانوا رحمة من الله عليهم، وإلا فقد أعذروهم، يقول سيد قطب: (وعندما يصل السياق إلى هذا الحد في استعراض تلك النماذج من أقوال المنافقين وأعمالهم وتصوراتهم، يعمد إلى تقرير حقيقة المنافقين بصفة عامة، وعرض الصفات الرئيسية التي تميزهم .. فهم من طينة وطبيعة واحدة .. منبعها سوء الطوية ولؤم السريرة، والغمز واللمز والنذالة والدس، والجبن، يعظمون تلك الفعال الخسيسة وأهلها، ويحتقرون المعروف وأهله) [4] ، إنها صورتهم الوضيعة في أماكن جبروتهم، ويخفونها أمام تعاظم قوة المسلمين وسيادتهم.

الصورة الثامنة: أهل جحود ونكران: {يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِير} (التوبة:74) .

(1) قبس من نور القرآن للصابوني: ج/3، ص/49 بتصرف.

(2) مفاتيح الغيب للفخر الرازي: ج/15، ص/120.

(3) المصدر السابق: ص/121، باختصار وتصرف.

(4) في ظلال القرآن لسيد قطب: ص/1673،باختصار

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت